عودة باراك.. عودة الجنرالات

تم نشره في الاثنين 18 حزيران / يونيو 2007. 03:00 صباحاً

كان الأسبوع الماضي في إسرائيل أسبوعا مميزا على الساحة الحزبية الداخلية، إذ لم يكن أحد يتخيل ان عجلة التاريخ تتدحرج إلى الوراء بهذه السرعة، ففي نفس اليوم الذي ظهرت فيه نتائج الانتخابات الداخلية لرئاسة حزب "العمل"، وأسفرت عن فوز الجنرال ورئيس الحكومة الأسبق إيهود براك، أعاد الكنيست (البرلمان) وبأكثرية كبيرة، عجوز السياسة الإسرائيلية، شمعون بيرس، إلى مركز الصدارة بانتخابه رئيسا للدولة.

وعودة باراك وشمعون بيرس سبقتها أيضا عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة حزب "الليكود"، المنافس التاريخي لحزب "العمل"، وهذا مشهد كان قائما حتى العام 1999، حين كان نتنياهو وباراك على رأس حزبيهما.

إلا أن لعودة باراك إلى الحلبة السياسية أكثر من مؤشر، فباراك هو واحد من أبرز جنرالات إسرائيل على مدى سنواتها الستين، وكان رئيسا لأركان الجيش، في النصف الأول لسنوات التسعين من القرن الماضي، وارتبط اسمه بالكثير من العمليات الحربية العدوانية والارهابية التي نفذتها إسرائيل في دول عربية، مثل الاغتيالات وغيرها.

والمجتمع الإسرائيلي المبني على أسس العسكرة والتشبث بمبدأ القوة اختار على مر السنين، أكثرية قادته "السياسيين" من بين صفوف القيادات العسكرية والأمنية، وحتى الذين ظهروا وكأنهم من السياسيين، كان يتضح لاحقا أنهم من كبار موظفي الأجهزة الاستخباراتية وما شابه، إلا أنه في العامين الأخيرين، تبلورت في إسرائيل قيادة حكومية ذات طابع "مدني"، أو بشكل أدق فإن أقطاب الحكومة الحالية ليسوا من ذوي الخلفيات العسكرية "الثقيلة".

وكان هذا التغيّر محض صدفة، فرئيس الحكومة إيهود أولمرت، وصل إلى رئاسة الحكومة من منطلق اللا مفر، بعد سقوط رئيس الحكومة السابق أريئيل شارون على فراش المرض في أوج الحملة الانتخابية البرلمانية في مطلع العام الماضي 2006، ليلاقي زعيم حزب "العمل" عمير بيرتس، الذي تم انتخابه هو أيضا بظروف غير طبيعية في حزبه، ومن ضمنها عمليات التزوير والتزييف، وقد أكد الاثنان أنهما بالفعل "قيادة الصدفة".

وظهرت هذه "القيادة المدنية" أمام الرأي العام الإسرائيلي على أنها "ضعيفة" في حربين شنتهما إسرائيل على الشعبين اللبناني والفلسطيني، على الرغم من القتل والدمار الذي خلفته الحربان للشعبين الضحيتين.

ولهذا فإن انتخاب باراك هو تعبير لسعي الشارع الإسرائيلي لعودة كبار الجنرالات إلى رأس الهرم السياسي، رغم أن كل القيادات السياسية كانت وما تزال رهنا بما تمليه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، فليس صدفة انه من أصل خمسة متنافسين على رئاسة حزب "العمل"، وصل إلى الجولة الثانية للانتخابات جنرالان، هما باراك، والنائب عامي أيالون، الذي رئس في الماضي جهاز الاستخبارات العامة "الشاباك"، وكان من قبل قائدا لسلاح البحرية في الجيش الإسرائيلي.

وكما هو دائما في إسرائيل، فإن الأجواء العامة في الشارع لم تأت من فراغ، بل هناك "محرك خفي"، يظهر من خلال وسائل الإعلام الإسرائيلية النشطة، التي مهدت كثيرا لعودة الجنرالات الى زعامة حزب "العمل" من جديد، كونه معروفا عنه منذ إقامته بأنه "حزب الجنرالات"، ومن أجل هذه المهمة، فقد غيّبت وسائل الإعلام، بشكل واضح، كل ماضي باراك في رئاسة الحكومة منذ ربيع العام 1999 وحتى مطلع العام 2001، تماما كما غيّبت ماضي رئيس الحكومة الأسبق "العسكري الصغير"، بنيامين نتنياهو، خاصة حين كان رئيسا للحكومة، وعدم نبش الماضي الذي عانت منه إسرائيل أيضا، ساهم في تبوؤ الاثنين صدارة استطلاعات الرأي الإسرائيلية.

كذلك فإن لفوز باراك مؤشرا آخر، فهو جاء على طبق من فضة لرئيس الحكومة أولمرت، الذي وصلت شعبيته إلى حضيض غير مسبوق، وهو يأمل الآن بتعزيز فريق حكومته، "بالسيد الأمني"، إيهود براك، كما يوصف في إسرائيل، وادعى بعض المحللين أن أولمرت كان معنيا بفوز باراك، وأنه ساهم في فوزه، ولكن هذا يبقى في إطار الفرضيات غير الواقعية، بسبب ضعف أولمرت نفسه، وعدم قدرته على التأثير.

وقد سارع أولمرت إلى خطوة غير مسبوقة في تاريخ تشكيل الحكومات الإسرائيلية، بتعيين باراك وبشكل خاطف، وزيرا للحرب، بدلا من عمير بيرتس، الذي خسر رئاسة حزب "العمل"، رغم أن هذا التعيين كان تحصيل حال، ولكن أولمرت قرر عدم انتظار المفاوضات مع باراك، أو حتى عودته من زيارة الولايات المتحدة، وستتم المصادقة على تعيين باراك في الكنيست بغياب أولمرت نفسه، وهذا أمر غير مسبوق.

وكان الغطاء لهذا التحرك السريع، الانقلاب الذي نفذته حركة حماس في قطاع غزة، خاصة بعد أن انتشرت أنباء في إسرائيل مفادها أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي تعمل على بلورة استراتيجية جديدة للتعامل مع الوضع الناشئ في الجانب الفلسطيني، تفضل التريث إلى حين يتولى باراك منصبه، ويدلو بدلوه وخبرته في هذا المجال.

ومما لا شك فيه فإن هذا سيكون الامتحان الأول أمام باراك "ليثبت نفسه" أمام الشارع الإسرائيلي، وفق المفاهيم والاعتبارات العسكرية الإسرائيلية، ولأن باراك يعرف انه عليه اجتياز هذا "الامتحان" وأن يحقق نتائج تغير من الوضع القائم، فإن جميع السيناريوهات الدموية باتت مفتوحة الآن، وأكثر من ذي قبل، وهذا مصدر قلق.

من جهة أخرى فإن التطورات في قطاع غزة تقلب الكثير من سيناريوهات بقاء أو زوال حكومة أولمرت، فباراك كان قد أعلن في منتصف شهر أيار (مايو) الماضي، أنه في حال فوزه برئاسة حزب "العمل" الشريك الأكبر في حكومة أولمرت، بعد الحزب الحاكم "كديما"، سيوافق على البقاء في الحكومة شرط تعيين موعد لانتخابات برلمانية مبكرة، وهذا على خلفية التقرير المرحلي للجنة فحص مجريات الحرب على لبنان.

ولاحقا استدرك باراك أنه قريب جدا من رئاسة الحزب، وأن إعلانه سيتحول إلى التزام، وهو يعرف ان حزبه ليس قادرا على خوض انتخابات برلمانية مبكرة، تسبب له ضررا كبيرا في هذه المرحلة، ولهذا فقبيل الجولة الثانية للانتخابات، أطلق عدة تصريحات تراجع فيها نوعا ما عن تعهده، وفي خطاب "الفوز" الذي ألقاه فور صدور النتيجة النهائية للانتخابات غاب هذا التهديد كليا.

ولكن هذا لا يكفي فعلى باراك إيجاد السيناريو الذي يُسهل عليه النزول عن شجرة التهديد، وها هو انقلاب حماس في غزة، الذي سيعتبر "مصدر تهديد لإسرائيل"، "وفي ظل تهديد كهذا لا مجال للحديث عن أزمات سياسية"، كما سيقال في إسرائيل، حتى وإن أدت التطورات في غزة إلى هدوء أمني على الحدود مع إسرائيل، كما تتوقع مصادر عسكرية إسرائيلية.

بمعنى آخر فإن "شبح" حل حكومة أولمرت، سيبتعد في هذه المرحلة، وقد يزول كليا لاحقا، وهذا أمر سيكون رهن التطورات المقبلة، التي من الصعب جدا تحديد وجهتها منذ الآن، كونها منوطة بما يدور في الغرف المغلقة في كلا الجانبين.

كذلك فإن لهذه التطورات المستقبلية ستكون أيضا انعكاسات على القوى المركزية في الحلبة السياسية الإسرائيلية، وقد تنقلب الكثير من الأوراق السياسية والعسكرية، فالساحة الداخلية الإسرائيلية غير مستقرة وهي دائما في حالة قلاقل واهتزازات، وأقل تطور كفيل بقلب الأوراق كما علمت التجربة.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق