د.باسم الطويسي

خارطة إدراك سياسي للفلسطينيين

تم نشره في الأحد 17 حزيران / يونيو 2007. 03:00 صباحاً

الإدراك السياسي يعني القدرة على فهم المواقف واستيعاب الوقائع والتصرف في ضوء المصالح الكبرى التي يمليها هذا الفهم، في هذا الوقت هل اصبح الموقف الفلسطيني خارج حدود الفهم؛ بل هل أصبح المصير الفلسطيني خارج مسارات واولويات القيادات الفلسطينية، بعد أن تم خلط الأوراق الفلسطينية بالشكل الذي تبدو عليه الوقائع في غزة اليوم، وبعد أن حولت الأحداث اتفاق مكة إلى لعبة للمحاصصة تحميها قوة السلاح.

اليوم الفلسطيني التالي لوقائع غزة يزداد رمادية وتتداخل فيه المصالح الرخيصة للفصائل، والاستدارات الإقليمية والدولية، وقبل هذا وذاك استحقاقات خرائط الإدراك السياسي والاستراتيجي الإسرائيلية مقابل فراغ مخجل في القدرة الفلسطينية على تحديد ملامح ادراكية واقعية لمصير القضية وأحوال الشعب الفلسطيني في هذه اللحظات الحرجة والقاسية.

افتقاد القيادات الفلسطينية لخارطة وطنية تحدد إدراكها السياسي يطيح في هذا الوقت بكل الإنجاز السياسي الفلسطيني خلال العقدين الماضيين، وبالمحصلة يطيح بالمبادرة العربية ويفتح المجال أمام حركة التدوير السياسي الإقليمية بكل ما تحمله من توظيف واستثمارات سياسية باسم الفلسطينيين ومصيرهم الذي لم يكن غامضا أكثر من هذا الوقت، ومع اقتراب وصول الديمقراطيين إلى الحكم في الولايات المتحدة، أول ما يذكر هذا الواقع الدرامي القاسي وبالتزامن مع عودة جنرال السلام باراك إلى وزارة الدفاع واعتلاء شمعون بيريز فوق سدة رمزية الدولة الإسرائيلية، يذكر ذلك بالنصيحة التي أهدتها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت للإدارة الأميركية الجديدة آنذاك، قبل سبع سنوات وبعد فشل مباحثات السلام مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات؛ ومفاد النصيحة الموجهة، إنهم لا يستحقون السلام ولا يملكون الاستعداد له؛ "دعوهم يطبخون بعضهم بعضا حتى ينضجوا"! 

منحنى تطور الأحداث قد لا يستقر عند حدود خلط الأوراق الفلسطينية بل قد تصل الأحداث الى إشعال انتفاضة فلسطينية ثالثة لا احد يستطيع تقدير مساراتها ونتائجها، الى جانب ذلك سوف نلمس العودة الى أدوات تقليدية طالما استخدمتها إسرائيل لخلط الأوراق الفلسطينية والإقليمية من اجل الاستمرار في حالة التعامل مع الأمر الواقع، ومنها العودة الى مشروع ضم مستوطنة معاليه أدوميم كبرى مستوطنات الضفة إلى القدس المحتلة، والذي يعني بأبسط تقدير اغتيال فرص إقامة الدولة الفلسطينية والاستمرار في سياسات الاستيطان وربما مفاجأة أخرى تتعلق بجدار العزل العنصري.

يبدو اليوم أن مساحة المناورة أمام أطراف المعادلة الإسرائيلية باتت أوسع من قبل، واصبح بإمكان إسرائيل التكيف مع العالم الجديد ومع التحديات الجديدة المختلفة واحتمالات التغير في موازين القوى، أو حتى في اتجاهات القوى التقليدية دون أن تقدم تنازلات حقيقية تضرب عمق الأيديولوجيا التي قامت عليها، تتعلم إسرائيل كيف تبتدع الحلول الجديدة لمشكلاتها الخطيرة، في الوقت الذي تسجل من خلال ذلك أهدافاً دقيقة في مرمى المجتمع الدولي، وهذه الأحداث تفسر باختصار الاستثمار السياسي والاستراتيجي في قصة الانسحاب الأحادي من غزة التي سعت إسرائيل من خلالها إلى تخفيف عبء الحساسية الديمغرافية وإحداث ضربة كبيرة في جدار العزلة الدولية التي رافقتها منذ ميلادها مقابل خلق أزمة تاريخية تشق حركة التحرر الوطني الفلسطيني؛ وتقدم اليوم للعالم بكل تقدير النموذج الواضح للمآل الفلسطيني بعد الانسحاب. إنها رسالة سوف يفهم العالم جيدا منها ويجد المبررات التي يتمنى على إسرائيل من خلالها عدم الإقدام على انسحابات أخرى.

جدول الأعمال اليومي الإسرائيلي في غزة والضفة سيزداد حضوره بعد هذه التطورات، ما يعني المزيد من الحضور في تفاصيل الحياة للفلسطينيين من السيطرة على المعابر والحصار المالي والاقتصادي إلى التحكم بأساسيات الحياة في الوقود والماء والكهرباء، هناك قدرة مضافة بات يملكها البرنامج اليومي الإسرائيلي تبدو في بعض اللحظات أكثر خطورة من كل ما سبق، والمتمثلة في التأثير الحيوي في أحشاء الشارع الفلسطيني.

هل تستطيع غزة الجديدة ان تصمد ستة شهور قادمة في مواجهة البرنامج اليومي الإسرائيلي، والسؤال الأدق ما هي حدود التفاهمات التي ستلجأ إليها حماس إذا ما استمرت الأحوال عما هي عليه؟

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لم تعد دار ابي سفيان آمنه (علي محمد السعيد)

    الأحد 17 حزيران / يونيو 2007.
    السلام عليكم من المؤسف والمؤلم اقتتال الاخوان مع بعض فلم تعد دار ابي سفيان آمنه ففلسطين اصبحت غير آمنه لا يأتمن المرئ فيها على نفسه ولا ماله ولا عياله فاذا لم يقتلوا اليهود تقتلهم الفصائل الاخرى التي تعتقد بانها تمتلك ان تنهي حياة الناس بهذه البساطه وان تجرهم كالخراف وتذبحهم امام انظار اقاربهم باي حق وباي شريعة تمتلك هذه القوة فمن يقتل نفس كانه قتل الناس جميعا فعز وجل واضح بدل من ان تصوب بنادقهم واسلحتهم بوجه العدو يوجهوها نحو بعضهم البعض للاسف ً
  • »من المستفيد؟؟؟ (musa nawafleh)

    الأحد 17 حزيران / يونيو 2007.
    من المستفيد من هذا الصراع الدائر بين الأخوة الأعداء؟! ومن المسؤول عن إشعال نار الفتنة بين الفلسطينيين أنفسهم؟ ليتحول الصراع من صراع بين الفلسطينيين والمحتل الصهيوني الى صراع داخلي مقيت مرير يزيد من معاناة الأهل في فلسطين المحتلة، لا شك أن هناك قوى دولية تغذي هذا الصراع من أجل القضاء على حركة حماس لصالح حركة فتح بدليل أن أمريكا بادرت فورا الى رفع الحصار عن الحكومة الجديدة حال تشكيلها، مما يعني أن حكومة حماس لم تعط حتى هذه اللحظة الفرصة الصحيحة لإثبات نواياها أو حتى الاستمرار في تنفيذ برنامجها المطروح.
    ما نتمناه للشعب والحكومة والأهل والفصائل هو توحيد الكلمة ورص الصفوف ومواجهة العدو المحتل البغيض والترفع عن الاتهامات والابتعاد عن الكيدية لتحقيق الأهداف الفلسطينية العادلة والمتمثلة بإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.