إبراهيم غرايبة

فكر متخصص لمثقف عام

تم نشره في الأربعاء 6 حزيران / يونيو 2007. 02:00 صباحاً

تمثل مجلة "فورن بوليسي" نموذجا لمجلة متخصصة ولكنها موجهة للقارئ والمثقف العام وليس للمتخصصين، هل حان الوقت للإعلام والفكر المتخصص والموجه إلى جميع الناس؟ نعم على الأغلب، فقد انتهت مرحلة القارئ المتلقي المفروضة عليه وصاية وسائل الإعلام والنشر، ولكن القارئ اليوم يتجه لتعليم نفسه وللحصول على معلومات وخدمات راقية ومتقدمة، حتى الروايات والأفلام والمسلسلات لم يعد ينظر إليها أنها عملية تسلية وترفيه فقط، ولكنها مصدر للمعرفة، وبالنظر إلى كثير من الروايات التي لقيت إقبالا هائلا، مثل عالم صوفي وشيفرة دافنشي فهي لم تكن روايات مشغولة بالتسلية والأحداث المثيرة ولا المغامرات العاطفية ولكنها مجهود علمي كبير في الفلسفة والدين وهذا هو سر نجاحها، ولم تعد الكتب الدينية الأكثر انتشارا كما في السابق ولكن الأكثر انتشارا وأهمية هي الدراسات العلمية والنقدية والفلسفية حول قضايا الدين والمجتمع، وقد بيعت ملايين النسخ من كتب تبدو أكاديمية متخصصة، مثل علم الاجتماع لتوني غيدنز، وتاريخ الأديان، وتلاقي ترجمات كتب الفلسفة التي تقوم عليها المنظمة العربية للترجمة إقبالا ونجاحا كبيرين.

الوعي يأتي متخلفا عن الواقع للأسف الشديد، والعبرة بالوعي الذي يسبق الواقع أو يرافقه على الأقل، ويجب ألا ننتظر سنوات عدة لنرى هذا الواقع وقد اكتسب حضورا وأهمية فنبدأ محاولة اللحاق به أو نقتبسه على نحو بدائي ونمضي عقودا في التطوير وعندما نصل إلى مرحلة متقدمة يكون العالم المتغير بسرعة هائلة قد غادر هذا الواقع إلى مرحلة أخرى جديدة، لماذا تنجح النسخة العربية من مجلة فورن بوليسي (FP) من حيث التوزيع؟ ولم تظهر مجلة عربية مماثلة؟ لماذا تبقى وسائل الإعلام مصرة على نمط من المحتوى كان معتمدا عندما كان الإعلام يفرض نفسه بالقوة ويحتكر بالقوانين التقنية والتشريعية عقل القارئ ووجهته، وعندما اكتشفت وسائل الإعلام العربية الأقمار الصناعية والإنترنت لم تجد ما تقدمه وتتجاوز به المرحلة السابقة سوى التسلية والترفيه.

ثمة حاجة كبيرة لإعلام في المهن والحرف وسائر مجالات العلم والحياة من العمارة واللباس والطعام والإدارة والتعليم والتدريب والهوايات والبناء والحدائق والتقنية والتصميم والفنون والإبداع والاقتصاد والمال والتجارة والأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والأسرة والمجتمعات والشباب والأطفال والبيئة، فالمجتمعات والناس اليوم تعلم نفسها بنفسها وتتحدى أصحاب المهن والاختصاص، ولن يكون بعيدا المجتمع الذي ستكون فيه الصحة العامة بلا أطباء، وربما لهذا السبب يتراجع كثيرا عمل الطبيب العام، والعمارة والتصميم والبناء بلا مهندسين ولا فنيين، وليس مبالغة القول إن بضعة شباب يستطيعون اليوم أو يملكون المصادر النظرية على الأقل لأجل بناء مفاعل نووي معتمدين على الخبرات والدراسات والمعلومات المتاحة على الإنترنت.

وإذا بقيت المؤسسات التعليمية والإعلامية تنظر إلى المجتمعات والطلاب والناس باعتبارهم قاصرين يمكن أن تقدم لهم ما تشاء وتفرض عليهم الخبرات والاحتياجات التي تراها هي وليس ما يقدرونه هم بأنفسهم، أو تمارس الفهلوة وتعتقد أنها قادرة على مواصلة إقناع الناس والحصول على رضاهم وإقبالهم فستجد نفسها خارج التاريخ والجغرافيا أيضا، أين ذهبت الكتاتيب على سبيل المثال؟

والواقع أن الفكرة ليست سهلة ولا مباشرة، فالحكومات والمؤسسات اليوم تحتاج أن تتعامل وتتكيف مع شريك مزعج غير واضح، وأن تتعامل مع شبكة هائلة وعملاقة من الأمزجة والأفكار والاتجاهات، وليست عبارة الشك والفوضى التي تتكرر اليوم في السياسة مثيرة للسخرية ولكنهما (الشك والفوضى) أهم المصادر الجديدة للتفكير والتخطيط.

وعلى سبيل المثال، ففي عام 2001 قدر صافي عائدات حقوق النشر الأميركية بثمانمائة بليون دولار أميركي، ويعمل بها حوالي 8 ملايين عامل، وتفوقت في الصادرات على قطاعات مثل السيارات والكمبيوتر، فالصناعة أصبحت مدخلا وليس منتجا، وتتحدد قيمة المنتج بالمعالجة الإبداعية مثل الجمال والمعلوماتية والتوفير في الطاقة وملاءمة البيئة، ما الشاهد في المثال؟ لقد بدأت الاقتصاديات المتقدمة تشهد انتقالا من توجيه المدراء إلى توجيه المستهلكين أو الفنانين والمؤلفين، بمعنى أن الناس جميعا شركاء في التخطيط، وهذا ما يجب أن يشكل هاجسا للحكومات والشركات.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مثير للاهتمام (علاء)

    الأربعاء 6 حزيران / يونيو 2007.
    موضوعك جيد ويستحق المتابعة، لأن هذه المجلات لها دور رئيس في نشكيل رأي صناع القرار أيضاّ. اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة نجح بامتياز في أسر عقلية القارئ الغربي صانع القرار عن طريق إغراق الحقيقة بتشويهات فجة أداتها الأساسية هذه النشرات و غيرها.

    الغريب في الموضوع أن نشرة مثل FP - المعروفة بميولها اليميني - تترجم للعربية و تباع للقارئ العربي دون وجود مرادف معاكس أو على الأقل متزن في روايته.

    يجب العمل على خلق بدائل عربية وإنجليزية بديلة تصل للجميع بما فيهم صانع القرار الغربي.