أيمن الصفدي

ليست موعدا مع النسيان

تم نشره في الثلاثاء 5 حزيران / يونيو 2007. 02:00 صباحاً

 

لم تكن حرب الخامس من حزيران(يونيو) عام 1967 مجرد نكسة. كانت بداية سلسلة من النكسات. احتلت إسرائيل الأرض. هجّرت الناس. صنعت الأسطورة. أغرقت العرب في الإحباط. وجندت شعبها في البناء. رسمت مسار الصراع. كسبت.

غيرت حرب الـ 67 تاريخ الشرق الأوسط. إسرائيل قادته إلى حيث أرادت. كرست وجودها دولة في قلب عالم العرب. لكنها لم تغرق في نشوة النصر. حصنت كيانها بالعمل والعلم والاقتصاد والحذر والتخطيط.

أما العرب فوقعوا في براثن اليأس والإحباط. بعضهم أخفق في تقويم حجم الصراع. وبعض آخر اعتقد الشعارات طريق النصر. غيّبوا العقل وحاصروا الأصوات التي قرأت الصورة بدقة. لم يعدوا العدة. أعطوا إسرائيل ما تمنت. لم يستثمروا في تنمية. لم يبنوا اقتصادات. ولم يشيدوا ركائز الدولة الحديثة القادرة على مواجهة الصراع واستعادة الحق والحفاظ على المصالح.

لم يتعلم العرب كثيراً من هزيمة عام 1967 . وجدت الأصوات الواقعية نفسها معزولة في بحور الغضب أو المتاجرة بالأزمة التي كسرت أمواجها كل فعل عقلاني أو خطوة مدروسة.

وكان ذلك بالنسبة لإسرائيل حليفاً لم ترتجيه أو تتوقعه. تقمصت دور الضحية. بنت أحلافاً عالمية. صورت نفسها فريسة همجية عربية تستهدف حقها الإنساني في الوجود. وكسبت معركة التعاطف العالمي تماماً مثلما ربحت المعركة على الأرض.

اعتمد العرب على عدالة قضيتهم في مواجهة إسرائيل. لكن ذلك لم يكن، ولن يكون، كافياً في عالم تحكمه التوازنات والمصالح وموازين القوة.

وهذا ما يفرض نفسه تفكراً لا بديل عنه في الذكرى الأربعين لحرب الـ 67. السؤال المحوري هو كيف أدار العرب الصراع؟ وإذا كان الجواب أنهم أداروه بفشل، فالسؤال الذي يجب أن يتلوه هو كيف يمكن أن يطور العرب أدوات إدارة الصراع لتكون النتائج مكتسبات لا المزيد من الخسائر؟.

فشل العرب في مواجهة إسرائيل. ولن تتحسن الصورة من خلال الاستمرار في جلد الذات وتعميم اليأس والإحباط. لم تنفع الشعارات في الماضي. ولن تنفع الآن. لم تثمر المثالية سابقاً. ولن تثمر الآن. وحده التخطيط والعمل المنطلق من تقويم حقيقي للراهن والتزام راسخ بالحق يمكن أن يعكس طريق الهزيمة التي سار عليها العرب منذ بدء الصراع مع اسرائيل.

قوة اسرائيل في ضعف العرب. وضعف العرب في استسلامهم لليأس والارتهان للشعارات وعدم بناء الدول الراسخة الحديثة المتطورة علمياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً. ولن تتنازل اسرائيل عن شيء في صراعها مع العرب إلا إذا اقتنعت بقدرة الآخر على انتزاعه منها.

هذه القدرة لن تتكون من خلال التمترس وراء الأساليب التي اثبتت عدم جدواها. طريق بنائها يبدأ ببرمجة مراحل الصراع والتحرر من قيود الاندفاع اللاواقعي وراء طروحات لم تعد امكانية تحقيقها متاحة.

لكن ما لا يمكن التنازل عنه هو استعادة كل الأراضي العربية التي احتلتها اسرائيل منذ نكسة عام 1967 حتى تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة التي تعطي الفلسطينيين حقهم في الحياة الكريمة كاملاً غير منقوص. هذا شرط السلام في الشرق الأوسط. وهذا موقف يقع في حدود الواقعية والمنطق، والمتاح، حتمياً، أيضاً.

فشل العرب في تحقيق هذا الهدف من خلال الحرب والسلام على مدى سنوات الصراع. لا الحروب استعادت الأرض وحررت الناس. ولا السلام أنهى الاحتلال ووفر حق الاستقلال. توازنات القوى وقفت ضد العرب. ولأن التوازنات ستظل تفرض نفسها على مآلات الصراع، فإن ولوج العمل السياسي، بما يتيح من فسحات للمقاومة والضغوط وسائل لكسب المعركة لا هدفا بحد ذاته، يبدو الخيار الأفضل للعرب الآن لأن قدرتهم على تعديل توازنات القوى التفاوضية أكبر بكثير من قدرتهم على قلب الموازين العسكرية.

لكن رغم قتامة الصورة في الذكرى الأربعين لحرب الـ 67 ، ثمة جانب مضيء: "أربعينية" الحرب لم تكن موعداً للنسيان. هي محطة لإحياء القضية، دليل على أنها لم تدفن، على أن القضية الفلسطينية تبقى في وجدان الفلسطينيين، والأردنيين وباقي العرب القضية المركزية الأولى.

التعليق