د.باسم الطويسي

حرب المخيمات وعدالة الحسم

تم نشره في الأحد 3 حزيران / يونيو 2007. 02:00 صباحاً

التاريخ تصنعه التفاصيل وليست العناوين، وبعض تفاصيل ما يجري في لبنان هي التي ستحدد ان آجلا أم عاجلا مصير مسارات الصراعات على مستقبل لبنان وليست العناوين البراقة، والتفاصيل وما وراء الشاشة أكثر صدقا من البيانات والنوايا المعلنة، هناك في لبنان الصغير أصبح اليوم كل شيء مغامرة؛ قرار السلم والحرب مغامرة، وسيادة الدولة مغامرة، واحتلال الدولة واغتصاب سيادتها مغامرة أيضا.

على امتداد ثلاثة عقود كان اللبنانيون على قناعة بقدرتهم على الحسم العسكري في كل مواجهة تدار ضد المخيمات، لكن دوما كانت قناعة أخرى هي التي تكرس استمرار الأمر الواقع هي القناعة بحساسية الأوضاع  الفلسطينية في لبنان، وفي مقابل استمرار الطلقات المتقطعة  عاشت المخيمات حصاراً إنسانياً غير معلن جعل منها جزرا معزولة تحيا حالات من أبشع الظروف الإنسانية على الإطلاق، ففي "12" مخيما فلسطينيا يعيش فيها حوالي نصف مليون لاجئ ينتشر الاكتظاظ في كل شيء ويعم الفقر والبطالة وتؤجر البنادق مثل الملابس وابسط مقومات الحياة، حيث يمنع اللاجئون من العمل في العديد من المهن، ولا يمكنهم امتلاك العقارات، وسط هذه الظروف كان من السهل ظهور العديد من التنظيمات وتوليد أخرى والاهم من هذا وذاك تصدير تنظيمات أخرى، وأخذنا نسمع بـ "فتح الإسلام" و"جند الشام" و"أبناء الشهيد" و"عصبة الأنصار".

التفاصيل اللبنانية هذه الأيام لا تتوقف عند القضاء على تنظيم "فتح الإسلام" في مخيم نهر البارد بغض النظر عن الاتفاق حول هوية الأبوة الشرعية لهذا التنظيم، حيث لا توجد عقلانية سياسية تنكر على الجيش اللبناني الحق في استعادة هيبته وفرض حضوره على كامل التراب الوطني. فالتفاصيل اللبنانية معنية في هذا الوقت بعدالة الحسم الذي تبحث عنه، الحسم الذي يراعي أولا وقبل كل شيء حماية المدنيين ومراعاة ظروف اللاجئين والتوقف عند الأسباب التي جعلت مخيمات لبنان مصدرا لكل هذا الصداع السياسي والعسكري الذي لا يتوقف التوظيف المجاني له عبر الحدود لصالح كل الفرقاء. 

وعدالة الحسم اللبناني والدولي لظاهرة  "فتح الإسلام" تعني الانتباه للمرة الألف لمركزية القضية الفلسطينية في كل مظاهر العنف المتبادل ليس على مستوى الإقليم بل والعالم؛ وهذا واضح في دخول تنظيم "القاعدة في بلاد الشام" على خطوط التماس في لبنان في خطاب اتهامي يجمع بين "حلفاء المجوس" و "عملاء إسرائيل والولايات المتحدة"، هذه العدالة تعني فلسطينيي الشتات في كل المخيمات المعلنة وغير المعلنة للاستفاقة على الوقائع التي حولتهم لأكبر الاستثمارات السياسية في العالم.

عدالة الحسم في حرب المخيمات ان لا تستثمر هذه الحرب وتتدحرج لحسابات خارجية اكبر من طاقة لبنان وقدرة المخيمات على الحياة، وان لا توظف لمصلحة هذه الجهة على حساب تلك الجهة، وعدالة الحسم بأن تتكرس هيبة الجيش اللبناني، وان تخضع التنظيمات كافة لسيادة الدولة ووصايتها المباشرة، وعدالة الحسم بان لا تخرج هذه العملية من نطاقها الموضوعي وتحمل ما لا تحمله ما دامت كل التنظيمات الفلسطينية أعلنت ان معظم عناصر فتح الإسلام  في لبنان من غير الفلسطينيين؛ فقد آن الوقت ان تنال عدالة الحسم التفاصيل الصغيرة التي جعلت من أوضاع الفلسطينيين ساحة كبرى للاستثمارات السياسية منذ زمن أبو الغضب وأبو الليل وغيرهما في حرب حركة أمل في أوساط الثمانينات وقبلها وبعدها الى ما يحدث اليوم.

قبيل حرب تموز الماضي نشرت معلومات وتقارير من أكثر من جهة تقول بان الخطوة القادمة في لبنان سوف تقصد أوضاع المخيمات في فلسطين، وان هناك مخططات لتصفية أوضاع الفلسطينيين وسط صراع أميركي فرنسي على مستقبل لبنان تكمن بعض تفاصيله في مستقبل أوضاع المخيمات بين التوطين أو التهجير والنزوح مرة أخرى.

اليوم تعود مجددا هذه التكهنات وسط سلطة منقسمة على نفسها، ودولة لم تمُكن من فرض سيادتها، وحليف جديد هو "الإرهاب" الذي سيكون أداة لإدارة الصراعات على مستقبل لبنان وفي المقدمة أوضاع المخيمات ومستقبلها.

[email protected] hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مشردون (رانيا محمد العلي)

    الاثنين 4 حزيران / يونيو 2007.
    عندما يغتال الوطن ويصبح الانتصار صعب المنال في ظل الاحتلال الذي تسانده قوى عظمى سيتشرد الشعب ومن مصلحة الاحتلال تهجيره وتشريده لوضع يهودي في بيته وارضه وكل ذلك امام العالم العاجزه حتى عن ايقاف اسرائيل عن القتل في الابرياء واغتيالهم سنبقى مشردون ولاجئون الى ان يتم استنهاض همم العرب وتحركهم النخوه والاستنصار للفلسطينين ونحن نريد العوده الى اراضينا اولا واخيرا
  • »وطن ولكن بالخيم (محمود القضاه)

    الأحد 3 حزيران / يونيو 2007.
    عزيزي الكاتب اصبح الفلسطينيون الاكثر تشرداً على الحدود وابواب المخيمات في الدول العربية واحتمالية الرهان على اي حل فاشلة فما زال هناك غموض في حل لجوئهم وعودتهم الى اراضيهم وما يقال ويخطط من تحت الطاولة اكبر ممايخطط فوقهاولا ننكر جهد جلالة الملك في ايجاد حلول حذريه لهم فالاردن والذي فيه نسبة عالية من اللاجئين يتم معاملتهمباحسن ما يمكن رغم امكانيات الاردن الضئيله
  • »لبنان الى اين؟ (musa)

    الأحد 3 حزيران / يونيو 2007.
    ان المتتبع للأحداث التي تجري في لبنان يتيقن بأن هناك من يلعب على الساحة اللبنانية بشكل غير معلن، فما معنى أن تقوم امريكا بإرسال العتاد والسلاح للجيش اللبناني؟ ومن المستفيد ؟ ومن المتضرر؟ انها بإختصار حرب على فلسطينيي المخيمات في لبنان حرب بالوكالة لتصفية قضيايا منها حق العودة وغيرها، حرب بإسم الارهاب ومن الذي يصنع الارهاب في العالم ؟ أليست امريكا؟؟!!
    حزب الله في حربه الأخيرة مع إسرائيل لم يهزم بل كان منتصراً فقط على شاشات الجزيرة!! والجيش اللبناني لم تثور منه رصاصة واحدة ضد إسرائيل!؟ ما هذا؟ انها مفارقة عجيبة فقط للتأمل !!