أزمة لبنان جزء من أزمة المنطقة

تم نشره في السبت 26 أيار / مايو 2007. 03:00 صباحاً

الازمة الاخيرة في لبنان فاجأت الجميع، وطرحت عشرات الاسئلة. من هي منظمة فتح الاسلام؟ ومن يمولها؟ ولماذا سمح لها ان تتغلغل وتتسلح وتقوى؟ ولماذا في مخيمات الفلسطينيين، ما علاقة الجماعة بالقضية الفلسطينية؟ وما علاقتها بالقاعدة، او هل هي امتداد للقاعدة بصيغة متجددة؟

ليست هذه سوى بعض ما يتردد من تعابير الاستغراب والتساؤلات. وبقدر تشعب الاسئلة، تشعبت ايضا التكهنات والاتهامات والتفسيرات المتباعدة. فهناك من اتهم سورية بأنها وراء الازمة، لإحباط مساعي اقرار المحكمة الدولية. وهناك من اتهم تيار المستقبل بتمويل بناء ميليشيا سنية، وهنالك ايضاً الاتهامات الثابتة لقوى خارجية لخدمة هذه الاجندة او تلك.

وفي غياب ما هو مقنع في كل ذلك، يبرز بعض الحقائق المهمة ذات العلاقة بالصورة الاوسع التي تخص المنطقة برمتها، ولا تتعلق بلبنان فقط. وهنا اشعر بإلحاح الحاجة إلى التذكير بما سبق أن كتبت عنه، وخاصة عندما شنت اسرائيل حربها على لبنان في شهر تموز الماضي. فقد كتبت عندئذ ان تلك الحرب لم تكن سوى ثورة صغيرة لبركان كبير تغلي حممه تحت المنطقة بأسرها. ويتفاقم الضغط لدرجة تستوجب التنفيس، مرة في غزة، واخرى في العراق، وثالثة في لبنان، ورابعة وخامسة هنا وهناك في ارجاء هذه المنطقة التي لم تذق طعم الاستقرار لأكثر من قرن من الزمان.

وأشعر، ايضاً، بإلحاح الحاجة إلى تكرار مقولة ان ازمات في المنطقة مترابطة، وانها جميعا تعود إلى أصل واحد هو القضية الفلسطينية، التي طالما ظلت بلا حل ظلت ترسانة كبيرة لتصدير الازمات والحروب، وشتى انواع العنف.

وقبل الاستطراد، وكي لا يساء الفهم، لا بد من تبرئة القضية الفلسطينية من ادعاءات الكثيرين ممن يدعون العمل من اجلها، خاصة عندما يكون هؤلاء من ارباب التطرف الديني والايديولوجي، او من الخارجين على القانون، او المسيئين للدين والعقيدة والحضارة والقيم والتاريخ، او من الارهابيين القتلة الذين دمروا صورة الامة وصورة القضية، ووضعوا في يد اعداء هذه القضية المقدسة الدليل تلو الاخر على اننا، ربما، لا نستحق اكثر مما يحل بنا، او ما حل بنا على مدى العقود.

اذن، كيف يكون الربط؟ وكيف يصح القول بعلاقة بين القضية الفلسطينية وهذه الثورات البركانية الخطيرة المدمرة؟ الجواب بسيط: اجواء الاحباط واليأس والظلم التي سادت نتيجة ترك القضية الفلسطينية بلا حل، وبلا محاولة جادة للحل، وفرت المناخات المناسبة لارباب العنف والارهاب وترويج الجريمة للعب على مشاعر اليأس، وبالتالي تجنيد المحبطين، وتعبئة من فقدوا الامل من دولهم ومجتمعاتهم، ومن المجتمع الدولي المحنط منذ زمن طويل.

لم يكن لمثل هذا التطرف ان يزدهر، ولا لهذه الافكار التكفيرية الخطيرة ان تترعرع، ولا لتجارة الجريمة والارهاب ان تروج، لو كان لدى أكثرية شعوب المنطقة استقرار، وحرية، وكرامة، وعيش رتيب، وأمان اجتماعي، وامن حقيقي ينعمون به.

ولا يمكن حل الازمات التنفيسية الا بمواجهة الازمة الام. صحيح ان الثورات البركانية تنطلق وتدمر، وما تلبث ان تهدأ عندما يخف الضغط المتراكم تحت قشرة الأرض، لكنه هدوء مؤقت، لتعود للثوران مرة اخرى، وبصورة اعظم واعنف، بحسب قوة الضغط وراء الثوران الجديد.

واذا اخذنا الوضع في لبنان على سبيل المثال، فإن ما يجري هذه الايام، ولا نعرف كيف سينتهي، ليس الازمة الاولى، ولن يكون، مع شديد الاسف، الازمة الاخيرة. فالحرب المدمرة التي شنتها اسرائيل على لبنان صيف العام الماضي لم تكن سوى استمرار لتصفية حسابات قديمة. ولم يكن خطف الجنديين سوى الذريعة المناسبة لحرب تقول تقارير صحافية اميركية متلاحقة انها كانت مبيتة ومخططا لها ومقررة منذ ان سحبت اسرائيل قواتها من الشريط الحدودي جنوب لبنان العام 2000. وقد توقفت الحرب عندما تبين لاسرائيل، ومن دفعها، ان المهمة غير ممكنة التحقيق. فهل ستستأنف المهمة عندما يعد لها بصورة افضل؟ علينا ان ننتظر لنرى، فلا يستبعد شيء في هذا الزمن وفي هذه المنطقة.

توقفت حرب تموز الفائت مؤقتا، لكن الثمن الذي دفعه لبنان كان باهظا؛ ليس فقط من ارواح ابنائه، وليس فقط من بنيته التحتية وممتلكاته، وليس فقط موسمه السياحي واقتصاده، بل دفع لبنان ولا يزال ما هو اكثر من ذلك. فالثمن الأكبر هو استقراره السياسي. إذ ما كادت تلك الحرب الشرسة تضع أوزارها، حتى انقسم اللبنانيون على انفسهم بانفجار ازمة سياسية داخلية بدأت قبل نهاية العام الماضي، ولا تزال تشل لبنان سياسيا واقتصاديا، وتجمد فيه الحركة، وتهدد بما هو اسوأ.

وما الازمة الجديدة في لبنان، المتمثلة في مواجهات مخيم نهر البارد، الا ازمة فوق ازمة، واين للبنان ان يوفر الطاقة اللازمة لمواجهة كل ذلك؟

فإن قام الجيش بواجبه، وفرض النظام وهيبة القانون وحرر البلد، كما يجب، من المارقين والقتلة والخارجين على القانون، يتهم بالقسوة وبإيذاء المدنيين، وخاصة الفلسطينيين في المخيمات حيث يستشرى شر هؤلاء المارقين. وان تردد الجيش وقوات الأمن المعنية في اداء الواجب، تكون التهمة الاكيدة هي التقصير، وربما التواطؤ والمحاباة! انها معضلة بالفعل من ناحية انه لا يمكن غض النظر عن معاناة الفلسطينيين في لبنان، ولا عن الاجراءات التي فرضتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة هناك، فحولت حياتهم ومخيماتهم الى بؤر ملائمة لترعرع كل انواع التطرف واستقطاب المتطرفين؛ لكن في نفس الوقت لا يمكن مطالبة اي سلطة مسؤولة بالتخلي عن واجب فرض القانون بلا مساومة ولا هوادة، وعدم استثناء احد لاي سبب، فتلك هي ابسط واجبات اي دولة.

اعود إلى القول ان ما يجري في لبنان ليس ازمة طارئة، ولا ازمة مؤقتة، ولا ازمة محلية، بل هو امتداد لنار تتأجج في كل ارجاء المنطقة، وتمتد من افغانستان الى العراق الى فلسطين الى الصومال، وان اي شرارة تتطاير من المناطق الملتهبة مرشحة لتفجير لهب الازمات في اي موقع آخر، مهما اعتقد انه بعيد وآمن. ولا يقتصر ذلك على بلدان المنطقة فقط.

سفير الأردن السابق لدى الأمم المتحدة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل ما يحث في لبنان جزء من خطة الشرق الأوسط الجديد ؟ (د. عاصم الشهابي)

    السبت 26 أيار / مايو 2007.
    أحيكم على صواب الرأي حول ما كتبتم عن موضوع النهر البارد، وخاصة فيما يخص وضع الفلسطينيين في لبنان. فالمعروف مع الأسف أن الحكومات اللبنانية بعد أتفاق الطائف أخذت ولأسباب سياسية لبنانية محلية وأجنبية تضغط على الفلسطينيين بأشد الإجراءات الأمنية والمعيشية وتحاصرهم في المخيمات وتعمل على تهجيرهم إلى خارج لبنان خارقة بذلك كافة المعاهدات العربية والدولية التي تفرض تطبيق حق العمل والتنقل والتعليم للاجئين الفلسطينيين في مكان إقامتهم. ويكفي أن أشير هنا للظلم الفادح وغير الإنساني الذي يطبق على اللاجئين الفلسطينيين بمنعهم ممارسة 77 مهنة في لبنان بأسثناء العمل كخدم وعمال نظافة وبناء، كما لايسمح لهم ببناء أو ترميم اي بيت في المخيمات. وأخيرا من سمح لفتح الأسلام بالأستقرار داخل مخيم البارد بالرغم من أن المخيمات مراقبة دائما بالأمن اللبناني ؟ نرجو أن لا يكون ما يحدث في لبنان الآن جزء من خطة الشرق الاوسط الجديد.