د.باسم الطويسي

مجتمع مدني أوسع ودولة أقوى

تم نشره في الأربعاء 16 أيار / مايو 2007. 02:00 صباحاً

لا يتوقف السجال الوطني حول حدود أنشطة المجتمع المدني وعلاقتها بالدولة، وفي كل مرة يتم فيها تصعيد السجال نكرر البديهيات، وتعود القضايا الخلافية وكأننا نكتشفها للمرة للأولى، يحدث ذلك في بيئة تشريعية لا يزال ينقصها الكثير من الوضوح، وفي أجواء ثقافة سياسية ترفض حسم مسائل أساسية في مسار بناء الدولة وتنظيم علاقتها بمجتمعها وفي فضاء مجتمع مدني وليد تسوده الانتهازية والنفعية أكثر من أي شيء آخر.

بالفعل يوجد الكثير من الغموض والإرباك في علاقة مؤسسات المجتمع المدني بالدولة، لا تتحمل المسؤولية فيه المؤسسات المدنية وحدها، وهذا واضح في وجود فجوات تشريعية، وفي التوظيف السياسي المتبادل الذي يجعل أحيانا من تفسير القوانين أو تفويت هذا السلوك أو غض الطرف عن سلوك آخر جزءا من التفاعلات السياسية وتوازناتها، وليس تعبيرا عن اطر مؤسسية مستقرة.

الى جانب العديد من المفارقات التي تعبر عن تواضع الثقافة السياسية لدى أطراف السجال أحيانا كثيرة، لنأخذ على سبيل المثال السجال الأخير حول مدى شرعية الأنشطة المدنية ذات الصلة بموضوعات سياسية وإعلامية تنفذها مؤسسات ومراكز مدنية بتمويل خارجي، توقفنا كثيرا أمام مسألة التمويل وجعلناها بيت الأسرار وبيت كل القصائد، وهي المسألة التي لا تحتاج سوى إطار تشريعي واضح، بينما غابت مسائل تتعلق بالجوانب العلمية والمهنية التي تؤهل هذه المؤسسة المدنية أو غيرها من القيام بالدراسات والاستطلاعات، على سبيل المثال، أي الجوانب التي تمكن هذا الطرف أو ذاك ليكون مصدرا لقول الحقيقة، في المقابل حينما أرادت مؤسسات شبه رسمية إعداد دراسة حول العلاقة بين مؤسسات المجتمع المدني والدولة، بهدف الوقوف على خلفيات السجال المستمر واقترح الحلول وآليات فض المنازعات، لجأت هذه المؤسسات الى التمويل الأجنبي لتمويل هذه الدراسة أيضا، وهو ما فعله بالضبط المعهد الدبلوماسي والمركز الوطني للحقوق الإنسان.

هذه الوقائع تدعو إلى التساؤل عن الخلفيات التي تدفع مؤسسات أهلية إلى بناء أجندات سياسية أو اجتماعية وثقافية مغايرة للواقع، وتفرضها أحيانا على مؤسسات رسمية وتعمل بها، شئنا أم أبينا تمارس هذه الوقائع الدور الحاسم في بناء تصورات الناس واتجاهاتهم لأنها في المحصلة المنابر الوحيدة المتاحة في بعض القضايا.

المجتمع المدني يمثل دائرة النشاطات الحرة والمستقلة للحياة الخاصة والمهنية والسياسية والثقافية بصيغها المدنية التي تمارس في داخل حدود الدولة، ومن اجل الدولة وباسم الأفراد والمؤسسات الذين يعبرون عن مصالح لا تتحقق إلا بحضور الدولة، وهذه وجهة النظر الممثلة لصيغة المجتمع المدني بعد ان أنضجتها تجارب تاريخية عديدة ومريرة. لا يمكن البناء على فكرة الدور البنائي للمجتمع المدني دون ربطها بقوة الدولة وحضورها؛ المجتمع المدني العضوي الذي يوصف بالمشاركة الأوسع والأكثر تفاعلا وتأثيرا هو المجتمع المدني الذي يصب في قوة الدولة.

نظريات العقد الاجتماعي التي أتت بمفهوم ايديولوجي للدولة، جلبت في طريقها أيضا مفهوما أيديولوجيا آخر للمجتمع المدني، علما بان الدولة في نظريات العقد الاجتماعي تنبع من المجتمع المدني، فهي نتيجة عقد يبرمه الأفراد المتساوون الذين يكونون هذا المجتمع، وحينما يباشر الأفراد البحث عن مصالحهم الأنانية يمارسون نشاطهم بحرية، فقد يمارسونه ضد بعضهم وضد الدولة، ويبدو المجتمع المدني في حقيقته مجتمعاً ذرياً لا يتضمن أي عناصر بنيوية، وليست له قوانين موضوعية، ولا يعرف علاقات السلطة والتبعية بين القوى الاجتماعية غير المتكافئة، فان الدولة تأتي لتكون سلطة عامة فوق المجتمع، هذا الكلام النظري يخلص الى ان قوة المجتمع المدني تأتي من قوة الدولة، وليس العكس (أي كلما ازدات قوة ونفوذ المجتمع المدني كان ذلك على حساب قوة الدولة وحضورها).

إلى هنا، يبدو الخطاب العربي المعاصر مشتبكا مع الواقع بإرباك واضح في تحديد ملامح مسألة الدولة والمجتمع، بين العجز عن فهم الواقع وتحليله في ظل اختراقات واختزالات تمت بين مدارس فكرية وسياسية متعددة، الأمر الذي انتهى إلى العجز عن الصياغة النظرية لفهم تطورات علاقة المجتمع بالدولة، فالتحديدات الراهنة والتشوه المستمر في هذه العلاقة يفرض إعادة طرح هذه المسألة برمتها من جديد: إلى أين وصل تعمق مفهوم المجتمع مستقلا عن السلطة؟ وما هي مبررات الممارسة في تهميش المجتمع ووضعه في موضع العالة على السلطة، يعيش على فتاتها كائن طفيلي لا تعترف به السلطة كونه في نظرها هامشا صغيرا لا حول له ولا قوة؟ ولماذا يتم تحميل هذه العلاقة على الموقف من الدولة؟ وكيف تعمل انوية المجتمعات المدنية العربية المعاصرة على الانتقام من الدولة وتشويهها في سياق بحثها عن فضاء جديد؟

وبالعودة الى الحالة الأردنية، فمن الواضح ان المسألة اكبر من موضوع التمويل الأجنبي، إنها مسألة تأسيس قيم الدولة وحمايتها؛ وكما هو معروف فان قيم الدولة هي نتاج مفهوم الدولة الوطنية، وهي مزيج تاريخي من مخرجات العقد الاجتماعي والأطر التشريعية الناظمة للحياة السياسية ولعلاقات الأفراد والجماعات بالدولة، وعلى أساسها تبني مفاهيم الهوية والسيادة والاستقلال، ولا يجوز لأي حكومة ان تمارس المناورة السياسية المحلية أو الإقليمية بالتعدي على هذه القيم، كما لا يجوز لأي تنظيم أو حركة أو مؤسسة ان تقفز فوقها، وأي دولة لا ترسخ هذه القيم كالأوتاد والجبال ستبقى معرضة للزلازل والهزات السياسية والأمنية ولا ينفعها منطق التحالفات ولا فرق المداحين والنادبين.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عش الدبابير (مروة سلمان يوسف صلاح)

    الأربعاء 16 أيار / مايو 2007.
    تعيش التنمية السياسية في عالمنا العربي حالة من النزاع والتصارع ما بين الحقيقة التي نخفيها ونداريها والواقع المرير الذي نعيش بها بالرغم من وجود مؤسسات المجتمع المدني التي خولت لنهوض بالمجتمع الا انها لاتقدم سوى مصالح شخصية لمنتسبيها فنحن من اسكنا انفسنا هذا العش ونحن من فرضنا على حياتنا التبعية والانصياع للاخر ضمن مجموعة مبررات اقنعنا انفسنا بها الا وهي الحاجة الى التمويل فحضورنا على الساحة الدولية مجرد تعبئة مقاعد لنزيد من صوت رنين التصفيق لهذه الشعارات البالية التي نرفعها وننادي بها ولا نعرف محتواها كما الذي وقع في عش لدبابير فليتحمل لدغها وقام بدور الحاكم والمحكوم