غزة جديدة

تم نشره في الاثنين 14 أيار / مايو 2007. 02:00 صباحاً

بإعلان جيش الاسلام مسؤوليته عن اختطاف مراسل هيئة الاذاعة البريطانية ومطالبته بشكل رسمي بإطلاق احد رموز "السلفية الجهادية" في اوروبا، ابو قتادة، بهذا الاعلان تكون غزة قد دخلت مرحلة جديدة يمكن ان تكون احدى سماتها "العنف نحو الداخل". ويبدو ان نشاط تنظيم القاعدة بدأ يأخذ طابعا جديا وواضحا ومؤثرا، وستبدأ السلطة والحكومة الفلسطينية مرحلة المعاناة من وجود ذات التنظيم، وقد لا يمر وقت طويل حتى تنضم الحكومة الفلسطينية الى المعسكر الدولي الذي يعلن حربا على "الارهاب" القاعدي.

الفصائل العاملة على الساحة الفلسطينية إما منخرطة في العمل السياسي عبر البرلمان والسلطة والحكومة وأهمها فتح وحماس، وإما رافضة لهذا وتعمل وفق امكاناتها لمقاومة الاحتلال، لكن ظهور القاعدة وبدء عملها بنشاط سيحدث تغييرا جذريا في شكل الساحة الفلسطينية، وسبب هذا ان الفكر الذي يتبناه تنظيم القاعدة يجعل اولوياته وقائمة اعدائه مختلفة، فإسرائيل عدو لكن أيضاً كل الاجانب اعداء، ورجالات السلطة اعداء، ومؤسسات الحكومة مستباحة، فحماس وفتح والاجانب والموسيقى ودور السينما والمكتبة المسيحية وعدم لبس الحجاب وغيرها من القضايا والهيئات كلها على قائمة الاعداء والاهداف.

انه عنف نحو الداخل. فمن يحمل لقب كافر من الفلسطينيين يتساوى مع الاسرائيليين والاجانب، ودليل هذا نشاط جيش الاسلام في اختطاف الصحافي البريطاني، وايضا بمهاجمة مدرسة ومكتبة مسيحية، وهذا امر غير مستغرب، فالأولويات التي ينتجها فكر القاعدة تجعل مثل هذه الاعمال متوقعة.

لا نريد ان نعود كثيرا الى الوراء بتفسير بعض حوادث الاغتيالات، لكن لن يكون مدهشا او غريبا ان تشهد غزة سيارات مفخخة تتفجر بمؤسسات تراها القاعدة تناقض فكرها، او بأشخاص من اجهزة الامن او رجال السياسة من الرئاسة او الحكومة سواء كانوا من فتح او حماس او اي فصيل آخر.

فكر القاعدة يجعل كل الآخر عدو إلاّ من آمن بالفكر الذي تحمله، وهنالك عداء من نوع خاص تحمله القاعدة للقوى الاسلامية التي تصنفها انها خارجة عن الطريق ومخالفة لأصول الدين، فهذه القوى تراها القاعدة وكأنها تمارس تضليلا وإساءة للدين، لهذا تكون القاعدة قاسية في احكامها وأفعالها تجاه القوى الاسلامية.

ومن الضروري ان نتذكر الموقف القاسي الذي اعلنه ايمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة تجاة حركة حماس بعد توقيعها اتفاق مكة، الظواهري في حينه اتهم حماس بالخروج على الثوابت الاسلامية والتنازل والتفريط بالحقوق الفلسطينية، وقدم تفسيرا قاسيا لموقف حماس التي اعلنت احترامها لاتفاق اوسلو والشرعية العربية، واذا ما كانت القاعدة قد ظهرت بقوة في غزة فإنها ستحمل بشكل مؤكد موقف الظواهري من حماس، واذا كان الظواهري يحمل موقفا كلاميا عبر القارات، فإن امتداده في غزة سيبني على هذا الموقف سلوكا وافعالا.

اختطاف الصحافي البريطاني ليس حدثا امنيا، بل تعبير عن منعطف تعيشه غزة، ولعل توافق ظهور القاعدة مع التحولات الفكرية والسياسية التي تبنتها حماس من حيث مشاركتها في السلطة وقيادتها لحكومة تحت الاحتلال ومن افرازات اوسلو، ثم توقيعها اتفاق مكة الذي حمل قبولا ضمنيا ومباشرا احيانا بالعملية السلمية والمبادرة العربية ودولة فلسطينية على اراضي عام 1967 يجري الوصول إليها بالوسائل السلمية، هذا التوافق قد يفتح الباب لتفاعلات وتحولات على اكثر من صعيد، في ظل استمرار القمع الصهيوني وعجز الحكومة الفلسطينية في دعم المقاومة وممارستها أو في اعادة الحقوق وفق منطق اتفاق مكة.

القاعدة في غزة بأجندتها التي يقع على رأسها ما يفرضه التكفير والبرنامج الاجتماعي، وتجعل الاولوية لمعاقب اعداء القاعدة من الفلسطينيين قبل اسرائيل، كل هذا يعني ان غزة قد تكون مركزا جديدا اكثر فعالية للقاعدة، فغزة لا تحكمها سلطة قوية، فهي مدينة السلاح والفلتان الامني، وحتى فصائل السلطة والحكومة تعمل وفق منطق القوة اكثر من منطق القانون.

[email protected]

التعليق