محمد أبو رمان

"الفدرالية" في المناظرة الأردنية

تم نشره في الاثنين 14 أيار / مايو 2007. 02:00 صباحاً

قدّم رئيس الوزراء في لقائه الأخير بمخيم الوحدات (مع الفعاليات السياسية والاجتماعية المختلفة) موقفاً صارماً حول قضية الفدرالية بين الأردن والضفة الغربية، وذلك رداً على الأقاويل والأحاديث التي انتشرت بصورة ملفتة في الفترة الأخيرة، في الصالونات السياسية ولدى نخب متعددة، حول إعادة النظر بقرار فك الارتباط، وضرورة الرجوع إلى مشروع وحدة الضفتين.

موقف الرئيس لم يخرج عن الخطاب الرسمي المتداول الذي يؤكد دوما على رفض الحديث عن وحدة أردنية- فلسطينية قبل قيام دولة فلسطينية ذات سيادة واستقلال قابلة للحياة، ثمّ بعد ذلك يمكن بحث أشكال التوافق السياسي على قرار الوحدة، إن كان يخدم مصلحة كلا الشعبين (الأردني والفلسطيني) على السواء.

على هذا الأساس جدّد الرئيس تمسك الأردن بحق العودة للفلسطينيين، بلا تراخٍ أو تأويل، مؤكداً بذلك، مرة أخرى، عدم صحة ما نسبته التقارير الصحافية الإسرائيلية للملك خلال لقائه وفد الكنيست الإسرائيلي. فالمصلحة الوطنية الأردنية العليا تقتضي التمسك بحق العودة؛ إذ يحتضن الأردن أكبر نسبة من اللاجئين والنازحين على أراضيه، وهو الدولة الوحيدة التي أعطت اللاجئين الفلسطينيين حق المواطنة الكاملة، لذلك يحرص صانع القرار، باستمرار، على التأكيد أن هذا الحق (المواطنة) لا يتناقض بحال من الأحوال مع حق الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم.

وضع الرئيس النقاط على الحروف في موقف الدولة من الأسئلة التي طرحها تحرك د. عبدالسلام المجالي باتجاه إعادة الحديث عن صيغة كونفدرالية شكلاً، فدرالية مضمونا، ذلك التحرك الذي يأتي في سياق التراجع الكبير في فرص إقامة الدولة الفلسطينية، في ظل معطيات رئيسة: أولها عدم وجود ضغط أميركي حقيقي على إسرائيل يؤدي إلى تنازلات كبيرة لصالح الفلسطينيين، ثانياً الصراع الفلسطيني الداخلي وتجذر حالة من الاحتقان بين الفصائل الرئيسة -على الرغم من المهدئات المستخدمة بين الحين والآخر- وبروز ظواهر كالفلتان الأمني والعنف الداخلي تمثل جميعها علامات قاتلة للمسار الفلسطيني، وثالثاً استمرار اسرائيل في مشروع بناء المستعمرات والحلول المنفردة وعجز الحكومة الحالية عن السير قدما باتجاه التسوية.

تحرك المجالي ترافق مع صعود اتجاه واضح لدى نخبة سياسية في عمان تنظر بقلق شديد إلى المشهد الفلسطيني وحالة الفلتان والصراع وترى أنّ فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة غير واقعية اليوم، فإذا قامت الدولة فذلك لفترة محدودة أو بعبارة أدق شكلية، ربما لا تتجاوز مدتها ثمان وأربعين ساعة (كما يرى الزميل عريب الرنتاوي)، فيستبق هذا الاتجاه الحالة الراهنة بالدعوة إلى طرح خيار الفدرالية على الطاولة مرة أخرى والضغط باتجاه عودة الضفة الغربية إلى الأردن، ما يؤدي إلى فتح آفاق جديدة مقنعة في عملية التسوية، تزيل الادعاءات الإسرائيلية بالخوف من وجود دولة فلسطينية مجاورة. إذ ستتكفل المؤسسات الأردنية السياسية والأمنية - التي تمتلك كفاءة وقدرة مشهودة- في توفير المجال السياسي الجديد الذي يزيل معاناة الفلسطينيين ويوفر لهم مخرجاً من الوضع المتردي، ويضبط الحالة الأمنية والسياسية.

على الرغم من وجود حجج إنسانية حيوية بالدرجة الأولى، واجتماعية وسياسية بالدرجة الثانية، في موقف اتجاه "العودة عن قرار فك الارتباط"، الداعي إلى "مؤتمر أريحا 2"، إلاّ أنّ هواجس سياسية حقيقية تكمن في طرح الموضوع في هذا الظرف الحرج والمصيري، في سياق تعثر التسوية والتعنت الإسرائيلي؛ فمن المعروف أنّ هنالك توجهاً يمينياً إسرائيلياً وأميركياً يرى أن "الحل الأردني" هو الجواب الوحيد للسؤال الفلسطيني المؤرق، ما يشكل مخرجا كبيراً للمشكلات الأمنية والديمغرافية التي تشكل حالة مقلقة دوما لإسرائيل، وبالتأكيد سيشكل طرح اتجاه "الوحدة" سنداً قوياً للضغوط الأميركية والإسرائيلية على صانع القرار الأردني للموافقة على هذا القرار الخطير، مما ينقل الأزمة الإسرائيلية مع الدولة الفلسطينية إلى الساحة الأردنية.

وثمة مخاوف اليوم أن العودة المتوقعة للديمقراطيين إلى الرئاسة الأميركية، بعد شهور، ستقلل من فرص الضغط الأميركي على إسرائيل باتجاه التسوية، ما سيضعف من حجج المعسكر السياسي العربي وسيقود الحالة الفلسطينية الداخلية إلى مزيد من التأزم، وقد تفلت الأمور عن السيطرة، بخاصة مع وجود إرهاصات واضحة وجلية لانهيار حكومة الوحدة إذا لم يرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني خلال مدة قصيرة، الأمر الذي سيؤجج الصراع السياسي والمسلح مرة أخرى، وسيفاقم الأزمة الداخلية التي قد تتطور لطلب تدخل عربي مباشر، وسيكون الأردن هو المرشح الأول لملء الفراغ المتوقع.

الشهور القليلة القادمة حاسمة، بحق، في مستقبل القضية الفلسطينية؛ لذلك فإنّ أي طرح سياسي مفصلي كالحديث عن عودة وحدة الضفتين يتطلب حواراً مجتمعياً- سياسياً عميقاً ومتعدداً، لا مبادرات فردية واجتهادات نخبوية! فالمسألة ترتبط أولاً بسؤال الدولة الفلسطينية وحق العودة، وثانياً بالمعادلة الداخلية الأردنية والظروف التاريخية التي شكلت الحالة الراهنة، وما يمكن أن ينتج عن عملية الدمج الثاني من مخرجات عديدة على صعيد التوتر الاجتماعي والسياسي المكبوت!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق