إبراهيم غرايبة

العقد الاجتماعي للدول بين القومية والجغرافيا

تم نشره في الأربعاء 9 أيار / مايو 2007. 02:00 صباحاً

تتقدم أهمية الجغرافيا والمكان أساسا للدولة بالمشاركة أو بدلا من القومية والأمة، وفي الصراعات المتزايدة في العالم اليوم التي تأخذ طابع الصراع الداخلي الإثني وفي الوقت نفسه اختفاء ظاهرة الصراع بين الدول، فإنها (الدول) بحاجة إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي على أساس المكان أولا، مع الاعتبار للقوميات والإثنيات المكونة للدولة والمجتمع، وتشكل الصراعات الجارية اليوم في أكثر من 50 بلدا في العالم، وبخاصة العراق وتركيا والصومال ولبنان وإيران وأفغانستان، دافعا رئيسا جديدا يحب أن توجه الدول والأمم المتحدة والعالم لإعادة التفكير في قواعد تنظيم الدول وعلاقاتها على أسس غير القومية التي شكلت الدول الحديثة في العالم.

تعتبر المسألة الكردية من أكثر الأمثلة وضوحا على أزمة الدولة الحديثة، وما تزال هذه القضية موضوعا لصراعات ودراسات لا تتوقف، فالمسألة الإثنية الكردية ظلت تحديا أساسيا للدول في كل من العراق وإيران وتركيا، وبدرجة أقل سورية، وقد صدر مؤخرا كتاب "الإثنية والدولة" لمجموعة من الباحثين مثل فرد هاليداي ومجموعة أخرى من المتخصصين في الشؤون الكردية، ولكن الانتباه البحثي يتركز لأمر مفهوم على العراق، حيث تتبلور أول فيدرالية كردية في التاريخ. لقد أصبحت الإثنية خيارا شخصيا، وكان البعض من القيادات الكردية مثل ضياء غوكالب، وشكرو صكبان يدركون احتمال أن يختار المرء هويته الإثنية، فدعوا إلى اختيار الهوية التركية التي اعتقدوا أنها تتيح إمكانات أوسع للتقدم.

وقد مارست الحكومة التركية - وبدرجة أقل الحكومتان العراقية والإيرانية- أشكالا مختلفة من الضغط لإقناع الكرد وغيرهم من الأقليات القومية باحتضان إثنية الدولة السائدة، وتكللت هذه الجهود بقدر من النجاح في صهر الكثير من الكرد، وجعلهم يختلفون ويتفرقون ثقافيا وإثنيا.

ولكن عملية الدمج هذه عززت الوعي بوجود هوية مشتركة عامة بين الكرد على اختلاف مناطقهم ولهجاتهم ومذاهبهم، وحدث اندماج لجماعات من الفلاحين وبعض الجماعات المسيحية في الإثنية الكردية، وأنتج المثقفون الكرد المؤشرات الرمزية للإثنية الكردية من أعمال التدوين التاريخي واللسانيات والدراسات الفولكلورية، وفي المقام الأول الشعر والأدب المنثور، وكان من تأثير الحركات السياسية أنها حددت بوضوح أكبر التخوم الإثنية التي تفصل الكرد عن الجماعات الإثنية السائدة في دولهم.

ولكن تعززت الانقسامات الداخلية بين الكرد، وساهمت التحولات الاقتصادية والاجتماعية في نشوء ثقافة كردية غير متجانسة، وقد احتفت بعض الحركات والأحزاب الكردية بهذا التنوع الثقافي، وتنامى الوعي بأن المجتمع الكردي يمثل موزاييكا ولا تتماهى مكوناته كلها بقدر متساو من القوة مع الكل، ويمكن لتخومه الخارجية أن تتغير بعض الأحيان ولكنه مجتمع سيبقى على الدوام موزاييكا.

ويفترض أن عمليات الدمقرطة وتشكيلات المجتمعات المدنية في تركيا وإيران تغير من الهوية الإثنية للسلطة السياسية بما يضمن تمثيل هويات وحقوق من لا سيادة لهم في العمليات السياسية والاجتماعية والثقافية.

ويجد عباس ولي أن هذا المسعى إلى تغيير هوية السلطة السياسية هو أيضا الركيزة الأساسية التي ينهض عليها الحل المقترح للقضية الكردية في تركيا وإيران، وهو مشروع نظري قائم على نقد جذري لمفهوم السيادة، وبالتالي المطالبة بإصلاح دستوري جذري يمتد إلى نزع الطابع الإثني عن شروط المواطنة، وهذا الأساس النظري المشترك يربط القضية الكردية ربطا لا فكاك منه بتطور المجتمع المدني ودمقرطة العملية السياسية في تركيا وإيران.

وهو بهذا يشير إلى اتجاه سياسي شائع ينبغي الاعتراف به وتقديره، ولكن قلة من الكرد ستدعم هذا المشروع علنا، وتعليل ذلك يعود إلى الشعور بالأسى، وهو تعليل مقنع عمليا.

فيبدو من المستبعد أن يكون لدى الدول الأربع ذات السيادة التي تحكم كردستان أن تتخلى عن خطابها القومي وإنكار الهوية القومية الكردية.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق