الاتحاد الأوروبي واسترضاء روسيا

تم نشره في السبت 5 أيار / مايو 2007. 02:00 صباحاً

مرة أخرى تجد أوكرانيا نفسها في بؤرة إعصار سياسي. ففي مواجهة انقلاب دستوري محتمل، قد ينتزع منه سلطاته، لجأ الرئيس فيكتور يوشتشنكو إلى حل البرلمان الأوكراني والدعوة إلى انتخابات جديدة. ويعارض خصمه السياسي، رئيس الوزراء فيكتور يانوكوفيتش، هذه الخطوة بكل عنف؛ فيغذي بذلك صراعاً دستورياً مريراً من شأنه أن يحدد في النهاية التوجهات الأوكرانية في المستقبل.

هل تستمر أوكرانيا في تحولها نحو الغرب، كما يريد لها يوشتشنكو وحليفته في الثورة البرتقالية يوليا تيموشينكو، أم تعود إلى التحالف مع روسيا استراتيجياً، كما يريد لها يانوكوفيتش وحلفاؤه؟

لقد حاولت روسيا منذ عامين ونصف العام فقط أن تنصب يانوكوفيتش رئيساً عن طريق تزوير نتائج الانتخابات، الأمر الذي أدى إلى اندلاع "الثورة البرتقالية". وبعد شهور من الصراع، تسلم يوشتشنكو السلطة عن استحقاق. إلا أن الثورة أصيبت بالإرهاق، وسرعان ما انخرط شركاؤها في الصراع، الأمر الذي منح يانوكوفيتش وحلفاءه فرصة العودة إلى السلطة.

خلال هذه الفترة العصيبة، خذل الاتحاد الأوروبي أوكرانيا، معلناً بصراحة أن أوكرانيا لا ينبغي لها أن تتمسك بالأمل في العضوية مستقبلاً، معللاً موقفه هذا بالمشاكل الداخلية التي يعاني منها الاتحاد -المعاهدة الدستورية المعلقة- والمشاعر الشعبية المتنامية الرافضة للمزيد من التوسع.

إلا أن الزعماء السياسيين في الاتحاد الأوروبي يذعنون لمخاوف مبنية على سوء اطلاع. فبدلاً من إطلاع شعوبهم على الفوائد الاقتصادية والسياسية المترتبة على التوسعات الأخيرة، يلعب أغلب الساسة على وتر "الإجهاد الناتج عن التوسعة" لدى الناخبين. وبهذا، يحرم الاتحاد الأوروبي أوكرانيا من منارة الأمل التي ساعدت في إرشاد دول ما بعد الشيوعية -وآخرها بلغاريا ورومانيا- إلى الديمقراطية الغربية وحكم القانون. ونتيجة لهذا، أصبحت أوكرانيا الآن في مواجهة مجازفة واضحة، تتمثل في تعرضها لانقسام داخلي جديد.

وحتى الدول الأعضاء الحالية في الاتحاد الأوروبي تشعر بتخلي الاتحاد عنها. إذ هنالك شعور متنام في جمهوريات البلطيق الثلاث، وبولندا، والمجر، بأن الاتحاد الأوروبي يسمح لروسيا بممارسة ضغوطه عليها، وبصورة خاصة فيما يتعلق بسياسة الطاقة.

ومما لا شك فيه أن عضوية الاتحاد الأوروبي تمنح هذه الدول قدراً أعظم من الشعور بالأمان، إلا أن الدول الأعضاء القديمة في الاتحاد الأوروبي تسببت في قدر عظيم من الإحباط بتجاهلها للمخاوف الأمنية التي تشغل الدول حديثة العضوية، لصالح الاحتفاظ بصلاتها (الدول قديمة العضوية) مع روسيا، وبصورة خاصة اتفاقيات الطاقة التي تتصور أنها ستضمن لها الإمدادات.

ويواجه عدد كبير من دول ما بعد الشيوعية الأخرى ضغوطاً داخلية تدفعها إلى إعادة توجيه نفسها نحو روسيا، وتشعر أن الاتحاد الأوروبي قد تخلى عنها. فكل من جورجيا ومولدوفا تواجه أقاليم انفصالية تهيمن عليها روسيا، وتديرها موسكو إلى حد كبير (أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا، وترانسدنيستا في مولدوفا). كما تعاني كل من الدولتين من حظر تجاري تفرضه موسكو على أهم صادراتها (الخمور والمواد الغذائية).

ويبدو أن مولدوفا توشك على الانصياع للضغوط الروسية، سعياً إلى جذب الاستثمارات التي تحتاج إليها بشدة في الوقت الذي لا تتحصل فيه إلا على قدر ضئيل من المساعدات من الغرب، وبصورة خاصة من الاتحاد الأوروبي. والحقيقة أن مولدوفا وجورجيا قد تُـرِكتا أيضاً، مثلهما مثل أوكرانيا، دون أي إشارة واضحة من الاتحاد الأوروبي تبث الأمل في احتمال حصولهما على العضوية في وقت ما من المستقبل.

كما تستعرض روسيا عضلاتها فيما يتصل بقضية مستقبل كوسوفو، فتثير الاعتراضات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على الخطة الرامية إلى منح كوسوفو الاستقلال، وتؤيد صراحة المساعي الصربية الرامية إلى ضم كوسوفو. وتزعم روسيا أن استقلال كوسوفو قد يشكل "سابقة"، وهو تهديد مستتر لتعبئة الوكلاء الانفصاليين، ليس فقط في جورجيا ومولدوفا، بل وأيضاً في إقليم كريميا بأوكرانيا.

فضلاً عن ذلك، تلمح روسيا إلى المخاوف العديدة داخل دول الاتحاد الأوروبي بشأن مطالب الحكم الذاتي المحتملة من جانب إقليم الباسك في اسبانيا، على سبيل المثال، والأتراك في شمال قبرص، والأقليات المجرية الضخمة في رومانيا وسلوفاكيا. والآن، تشارك كل هذه الدول بقدر عظيم من التردد في الحوار الدائر حول كوسوفو، نتيجة لتأثرها الواضح بالتحذيرات الروسية بشأن "تشكيل سابقة".

إلا أن هذه الحجة تتجاهل الفارق الجوهري بين كوسوفو والموقف في المناطق الأخرى كافة التي تحتوي على أقليات وطنية ضخمة. فبينما كانت كوسوفو جزءاً من اتحاد فيدرالي؛ جمهورية يوغوسلافيا السابقة، إلا أن مناطق المتاعب المحتملة الأخرى كافة في الاتحاد الأوروبي هي في الواقع أجزاء من دول متكاملة الوحدة. وعلى هذا، فإن استقلال كوسوفو لن يشكل "سابقة" بأي حال من الأحوال.

مما لا شك فيه أن روسيا تدرك هذه الحقيقة، إلا أنها باستخدامها لمصادر الطاقة لديها، وثقتها المستعادة في تغذية عدم الاستقرار والنزاعات، تسعى إلى توسيع نطاق مصالحها، وهي النتيجة التي لا يمكن تفاديها إلا بالعمل الجماعي، والاستجابة صادقة العزم من جانب الاتحاد الأوروبي. ولكن مما يدعو للأسف أن الاتحاد الأوروبي، بدلاً من أن يمد أياديه إلى الدول المعرضة للخطر مثل أوكرانيا، تظل منارته مظلمة ويلتزم قادته الصمت.

أوفي إليمان-جينسين كان وزيراً لخارجية الدنمارك في الفترة من 1982 إلى 1993، وعضواً في البرلمان في الفترة من 1977 إلى 2001، وزعيماً للحزب الليبرالي الدنمركي (Venstre) في الفترة من 1984 إلى 1998، ورئيساً للحزب الليبرالي الأوروبي (ELDR) في الفترة من 1995 إلى 2000.

خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق