الدروس الاهم من تقرير فينوغراد

تم نشره في الأربعاء 2 أيار / مايو 2007. 02:00 صباحاً

قرأت خبرا صغيرا قبل البدء بكتابة هذا المقال، صباح الثلاثاء. والخبر منسوب لصحيفة اسرائيلية، يدعوت احرنوت، يقول - نقلا عن خبراء امنيين اجانب- ان سورية اقامت مدينة صواريخ تحت الارض وفيها منصات اطلاق وصواريخ طويلة المدى لاطلاقها باتجاه الدولة العبرية عند الحاجة.

لم يغير مروري على هذا الخبر الصغير، الموضوع الذي كنت انوي الكتابة عنه، وهو تقرير لجنة فينوغراد، ولكني وجدت مدلول الخبر مرتبطا ارتباطا وثيقا بحرب لبنان صيف عام 2006.

فتلك الحرب ربحتها الصواريخ، التي اطلق من لبنان على اسرائيل منها اربعة الاف، فاشاعت في اسرائيل الذعر وشردت اكثر من مليون اسرائيلي من منازلهم نحو الملاجئ او المناطق الاكثر امنا بعيدا عن مرمى الصواريخ.

لم يتمكن سلاح الجو الاسرائيلي - المتفوق تفوقا مطلقا والمسيطر على اجواء لبنان والمنطقة، والذي لم تواجهه طائرة واحدة لتتحداه- من تدمير قواعد اطلاق الصواريخ، ولا من تحديد اماكنها، وبالرغم من الادعاءات اليومية، ضمن الحرب النفسية الاسرائيلية، بأن قدرات حزب الله قد دمرت بنسب مئوية اختلفت بين بيان واخر، بالرغم من ذلك ظلت مئات الصواريخ تتساقط على اسرائيل حتى اللحظة الاخيرة.

بالعودة للخبر الصغير لا بد من الاشارة إلى أن اسرائيل اعتادت على تهويل قدرات سورية العسكرية وتسليط الضوء على نواياها العدوانية تجاه الدولة "البريئة" اسرائيل! فلا بد أن يكون لاسرائيل عدو لتبرر به الكثير من مخططاتها. وللوهلة الاولى يظهر هذا الخبر وكأنه جزء من الحملة المعتادة اليومية المتكررة، ولكن الحقيقة ان للخبر دلالات اخرى: فهل اصبحت تجربة حزب الله، وحرب الصواريخ، التي اثبتت نجاحها امام اقوى جيش في المنطقة، وأحد اقوى جيوش العالم؛ هل اصبحت هذه التجربة مثالا تحذو حذوه الدول التي عجزت جيوشها النظامية عن تحرير اراضيها او الدفاع عن حياضها؟

في هذا السؤال تكمن اهمية الخبر. وكذلك تكمن علاقته بتقرير فينوغراد الذي كنت انوي الكتابة عنه. فقد دان التقرير المؤسستين السياسية والعسكرية في اسرائيل بالإقدام على حرب لم يكن الجيش جاهزا ومستعدا لها، ولم يخطط لها بما يضمن النجاح، ولم تطلع القيادة السياسية - رئيس الوزرا، ووزير الدفاع- على مخططات كافية ومقنعة للحرب، ذلك بالاضافة الى ان رئيس الوزراء حدد اهدافا للحرب لم يكن تحقيقها سهلا او ممكنا، فاضطرت اسرائيل لانهاء الحرب من دون تحقيق اي منها، بما في ذلك تحرير الاسيرين ما ساهم في ترسيخ وتكريس الهزيمة.

قيل في حينه: إن حزب الله، وزعيمه السيد حسن نصر الله، قد اقدما على "مغامرة غير محسوبة" باستفزاز اسرائيل وبأسر جنديين اسرائيلين. وقيل ان ثمن تلك المغامرة كان باهظا على لبنان واهله واقتصاده وبنيته التحتية وسياحته ودم ابنائه، كل ذلك كان يمكن تفاديه لو لم تكن "المغامرة غير المحسوبة"، ولم يتغير اي من هذا القول بعد ظهور اكثر من دليل بأن الحرب على لبنان كانت معدة ومخططا لها مند فترة طويلة قبل استفزاز حزب الله "وخطف" الحنديين.

لكن أين حجة هذا القول (استفزاز إسرائيل) مما نشهده من احداث واستفزازات اسرائيلية يومية على معظم الجبهات العربية بما في ذلك قتل واسر وخطف ونسف بيوت وحصار وتجويع عشرات العرب يوميا. الفرق ان اسرائيل "تُستفز" عندما يعتدى على جنودها او مواطنيها، ونحن لا نُستفز، ولم يغير من هذا القول ان احدا لم يتخيل مغامرا كان او غير مغامر ان اسرائيل كانت تشن مثل تلك الحرب من اجل جنديين أُسرا ولم يلحق بهما اي اذى.

الآن نسمع من لجنة فينوغراد جانبا اخر للقصة، وان كان ذلك لن يغير من القول المشار اليه اعلاه شيئا. الجانب الاخر، وكما يبدو، هو ان اسرائيل هي التي اقدمت على مغامرة غير محسوبة فواجهت عواقبها القاسية، والحقيقة ان مشكلة اسرائيل، مع التقدير لكل ما جاء في تقرير فينوغراد، هي الغطرسة والعنجهية والاسقواء والاستعلاء، والتعامل مع الغير وكأنهم حشرات لا قيمة لها.

لعل القيادة السياسية الاسرائيلية، وكذلك القيادة العسكرية اعتقدتا أن حزبا محاصرا محصورا في منطقة جغرافية محدودة، يعتمد على تهريب سلاحه المستهدف للنزع حتى من قبل الدولة اللبنانية، لا يملك لا طائرات ولا دبابات ولا مدافع ولا امكانات لوجستية، لم تكن الحرب عليه بحاجة لكثير من الاعداد والتخطيط، ولا بحاجة للقلق والدراسة والحسابات الدقيقة، فمن هو حزب الله حتى يقف في وجه قوة عسكرية اقليمية عظمى لم يجرؤ على تحديها احد. هكذا اعتادت اسرائيل ان لا تحسب لأحد حسابا. وهنا كانت "المغامرة غير المحسوبة" من الجانب الاسرائيلي.

لقد فوجئ المهاجمون بالصمود وبالروح القتالية والتنظيم وبالقدرة على التخفي والحاق خسائر عسكرية وسياسية لم تكن في حساب احد. ما اعتقد الاسرائيليون انه مسألة ايام طال لاسابيع، وكان من الممكن ان يستمر لشهور لولا وقف اطلاق النار.

اهمية التقرير ليست في انه سيؤدي لاستقالة اولمرت او بيرتس اللذين وصفا بعدم الخبرة وعدم الكفاءة وبالفجاجة السياسية، فلا استقالتهما ولا بقاؤهما سيغيران من الامر شيئا، فأهمية التقرير في انه يؤكد ما ذهب اليه بعض المحللين وما انكره بعضهم الاخر، وهو ان اسرائيل فقدت قدرتها على الردع، وان جيشها الذي كان درعا مضمونا لتحقيق غاياتها السياسية لم يعد كذلك، بل اصبح يجلب عليها الخسائر السياسية كلما جابه حقائق التاريخ، وطبيعة الاشياء، وكلما تحدى مصائر وحقوق الشعوب.

لقد فشلت القوة العسكرية في تدمير الانتفاضة الاولى وفشلت في الثانية. وفشلت في غزو لبنان عام 1982 وفشلت عام 2006 واضطرت اسرائيل للتخلي عن الشريط الحدودي عام 2000 رغم نفوذها العسكري، واذا كان لا بد من ادلة اخرى، فما علينا الا ان ننظر لما يجري في العراق حيث تغرق اقوى قوة عسكرية في العالم في وحل السياسة المغامرة.

المسألة ليست في استقالة هذا الزعيم الاسرائيلي او ذاك. هي في ان تدرك اسرائيل ان للقوة العسكرية ولاستخدامها بنجاعة حدودا، وان اسرائيل قد تجاوزتها واستنفدتها منذ سنين.

فحتى لا تتكرر حروب الصواريخ ولا تظل المنطقة مشتعلة فقد آن الأوان للسياسة، وليس للاستخدام الاحمق والمغامر بغير حساب للقوة.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق