إلى أين سينتهي العراق؟

تم نشره في السبت 28 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

كلما قيل ان الاوضاع المتردية في العراق ستتحسن، ازدادت الامور سوءاً! والمعضلة هنا هي الاصرار على طريق الدمار والخطأ، بعد ان تبين بوضوح ان كل ما ارتكب بحق العراق جريمة كبيرة لا مبرر لها، ولن تزول آثارها في وقت قصير، حتى بعد ان يتوقف مرتكبوها عن الايغال في ممارستهم. وهي جريمة دمرت علاقات أميركا مع العالمين العربي والاسلامي، وستخلف فوضى عارمة، امنياً وسياسيا، في هذه المنطقة، خاصة ان تحققت اسوأ المخاوف بتوجيه ضربة لايران.

وحتى ان كانت المعادلة خادعة، إذ من الطبيعي ان مقارنة السيئ بما هو اسوأ تحوله الى شيء مقبول، إلا أنه لا مفر هنا من مقارنة الاوضاع التي انتهى اليها العراق بين ما كانت عليه زمن "الدكتاتورية"، لنجد ان ثمة عراقيين "يترحمون" على ايام صدام، بالرغم مما حملت من مآس وفق المعايير المطلقة.

فبرغم الأهوال التي كشف عنها تقرير الامم المتحدة، قبل ايام، عن حالة حقوق الانسان في العراق، إلا أنه يوجه نقداً لاذعاً للحكومة العراقية لاخفائها الحقائق، وعدم تعاونها، ورفضها الكشف عن احصاءات تتعلق بإعداد القتلى والمفقودين والمعتقلين والنازحين. وهذا يعني ان ما كشفه التقرير هو جزء فقط من حقيقة مخفية أعظم!

جاء في تقرير بعثة المساعدة التابعة للامم المتحدة في بغداد ان 34452 مدنياً قتلوا، وان اكثر من 36 ألفاً اصيبوا في العام 2006، وان هناك اكثر من تسعة ملايين مهجر يواجهون نقصاً في الاغذية. ونقلت صحيفة "الحياة" عن نهاد الجبوري، رئيس المفوضية العليا المستقلة لحقوق الانسان، ان "الكثير من القتلى يدفنون من دون علم ذويهم ومن دون تدوين في الكشوفات الرسمية... وان هناك العشرات من المقابر الجماعية التي تضم الآلاف نتيجة تصاعد وتيرة العنف الطائفي ولو اضفنا اعداد المدفونين فيها الى الاحصاءات الرسمية المعلنة لوقعت الكارثة".

وتضمن تقرير بعثة الامم المتحدة ان الباحثين والصحافيين والاطباء والاقليات الدينية والعرقية "يتعرضون" للترويع والقتل او الخطف بدرجة متصاعدة من جانب الجماعات المسلحة. كما جاء في التقرير ان "الاغتيالات لاسباب طائفية، واعمال الخطف والتهديدات التي توجه للاكاديميين والمدرسين استمرت بمعدل يثير القلق طوال الشهور الثلاثة الاولى من السنة؛ وان الاحوال المعيشية اليومية تتدهور بالرغم من بلايين الدولارات التي خصصت لجهود الاعمار؛ وان 54% من العراقيين يعيشون على اقل من دولار يومياً، بينما ارتفع معدل البطالة الى 60%".

لم يكن العراق كذلك. وبالرغم مما قيل وما يمكن ان يقال عن عهد التسلط والدكتاتورية ايام صدام؛ ولا يمكن لاي تدهور في الاوضاع الراهنة، او لاي فظائع ارتكبت خلال الحرب ان تبرر ما لحق بأي عراقي في اي وقت؛ فلا الظلم يبرره الظلم الأكبر، ولا الجرائم بحق المواطنين الابرياء تغطيها الجرائم الأعظم. لكن ما هو غير معقول ان تنتهي عملية مفروضة بالحرب لرفع الظلم وإطلاق الديمقراطية، إلى فرض الظلم الاسوأ على الجميع، وتدمير كل ما ظل واقفاً زمن الديكتاتورية!

كان العراق بلداً عربياً موحداً وقوياً، يعتز بتراثه الغني وتاريخه العريق. ولذلك كان العراق هو المستهدف وليس صدام حسين، فعوقب العراق ولم تقتصر العقوبة على صدام والزمرة التي حكمت معه، عبر استهداف تاريخ البلد قبل حاضره، من خلال السماح بنهب كنوزه الاثرية، وإحراق مكتباته، واستهداف جامعاته، وتهديد علمائه واساتذته وباحثيه، قبل بقية مواطنيه. ولذلك أيضا قسم العراق ارضاً وشعباً وطوائف واعراقاً، حتى تؤدي الحروب الطائفية والعرقية ما قد لا تنجزه اسوأ حرب عدوانية استعمارية قائمة على الحقد الحقيقي في هذا الزمن.

آن أوان إدراك ان ما يجرى في العراق يهدد المنطقة بأسرها، وانه اذا لم يكبح هذا الخطر فلا يمكن التنبؤ بالمدى الذي قد تصل اليه نار الدمار والخراب التي أشعلت وأخذت تتأجج خارج اطار اي سيطرة في العراق.

لا يجوز ان يفهم من هذا ان انتشار الخطأ والظلم، وان تعميم انتهاكات حقوق الانسان او استباحة حقوق ومصائر الشعوب، يعني قبولها والاستسلام لها. فذلك ابعد ما يمكن ان يستخلص من مثل هذه المناقشة. بل الغاية هي الاشارة الى ان الحرب لم تكن لرفع لظلم، ولا لرد حقوق، ولا لنشر الديمقراطية. والسؤال: هل تستمر عملية تدمير العراق وتهجير أهله وإلغائه من الوجود والعالم يتفرج؟ هناك ثورة في اميركا ضد الحرب، فلم لا تتضافر الجهود لوقفها؟

سفير الاردن السابق في الامم المتحدة

التعليق