إبراهيم غرايبة

القيادات المحلية والانتخابات

تم نشره في الاثنين 23 نيسان / أبريل 2007. 02:00 صباحاً

هل اختفت ظاهرة القادة المحليين في المدن والبلدات والأحياء والذين كانوا أساس التنافس على الانتخابات البلدية وكانوا يشكلون أيضا قاعدة للنواب والقيادات السياسية؟ كيف ستكون العملية الاجتماعية المنظمة للتنافس الانتخابي الذي سيجري في المملكة بعد أقل من ثلاثة أشهر؟ ومن هم المتنافسون على الانتخابات وإلى أي فئات اجتماعية ومهنية ينتمون؟ وكيف سيصنفون؟

العشائر مازالت قوة انتخابية مهمة، ولكن قياداتها واختيار مرشحيها لم يعد يجري وفق زعامة تقليدية تنتقل بالوراثة أو الممارسة المحلية القيادية، فلم تعد العشيرة إطارا اجتماعيا ينظم حياة الناس وعلاقاتهم، ولكنها تجمع سكاني ومكاني تتنافس قيادتَه مجموعات شتى من الشباب المتعلمين الصاعدين والمتطلعين إلى القيادة، وفي أحيان كثيرة وبخاصة في البلدات المتقاعدون من أعمالهم ووظائفهم الحكومية.

والحركة الإسلامية تمثل قوة اجتماعية وسياسية وبخاصة في المدن الرئيسة، ويتوقع أن يكون لها مشاركة واسعة في عمان والزرقاء وإربد، وسبق أن أوصلت مرشحيها إلى رئاسة المجلس البلدي في الزرقاء وإربد والكرك والعقبة ومادبا والطفيلة، ولكن تجربة الحركة الإسلامية في الانتخابات البلدية لم تقدم إلا عددا قليلا من القادة المحليين، وكانت تجربتها في هذا المجال أقرب إلى الوظيفة العامة والقيادية التي نجح بعضها وفشل بعضها الآخر.

وربما يكون ثمة سؤال منطقي: هل تحولت رئاسة وعضوية المجالس البلدية إلى وظائف وأعمال عامة وليست عملا مجتمعيا يشارك فيه جميع أبناء المنطقة الانتخابية، ويقوده مسؤول منتخب من قبلهم، ويدير بتفويض منهم وبمشاركة معهم منظومة من الموارد والخدمات والاحتياجات؟ بمعنى هل تحولت البلديات إلى دائرة حكومية خدمية مثلها مثل التنمية الاجتماعية أو الأشغال العامة على سبيل المثال؟

الواقع أن هذا السؤال هو المدخل الأفضل للنظر في التحولات الجوهرية التي جرت على البلديات، فربما تكون قد تحولت بالفعل إلى دائرة حكومية وليست مؤسسة للحكم المحلي والإدارة المجتمعية كما كانت على مدى القرون الماضية، بشكل عفوي تلقائي ثم مؤسسي بدءا بنهاية القرن التاسع عشر عندما بدأت الانتخابات البلدية تجري في المدن والبلدات الأردنية.

كان هذا التحول في بدايته مغريا بسبب موجة دولة الرفاه والرعاية والإمكانيات المادية والفنية الأفضل للمراكز الحكومية، وضعف وتخلف البلديات والمجتمعات المحلية، ولكن هذه الموجة لم تأخذ بحسبانها تطوير ومشاركة المجتمعات والقيادات المحلية، بل واتجهت إلى تهميشها وإلغائها، ربما لأنه لم يكن في الحسبان إقامة نظام ديمقراطي وتشاركي، ولكن عندما انحسرت هذه الموجة لصالح الديمقراطية والخصخصة فإن الموجة الثانية (الخصخصة بشكل رئيسي والمشاركة الديمقراطية على هامشها) جاءت خالية من الشروط الموضوعية لنجاحها، فهي سياسات وأنظمة اجتماعية تنجح في مجتمعات قوية وتملك موارد واسعة أو كافية تؤهلها للاكتفاء والاستغناء عن الخدمات والإدارة الحكومية، وجاءت أيضا -وهذا خسارة ربما لم يفطن إليها بعد- عندما خسرت المجتمعات خبراتها وتجاربها السابقة في تنظيم شؤونها وإدارة احتياجاتها بموارد وتنظيمات غير مكلفة وضمن الموارد والفرص المتاحة والممكنة.

وامتدت متوالية الخسائر إلى العمل السياسي أيضا، فمن المفترض أن تكون البلديات قاعدة أساسية لانتخاب النواب لأن القادة المحليين الذين ينجحون في خدمة دوائرهم الانتخابية ويعرفهم الناس جيدا بالتجربة والمعايشة ويتلقون تدريبا وخبرات واسعة في العمل والاتصالات في أثناء عملهم يملكون فرصة النجاح في العمل النيابي، ويفترض أيضا أن يشكل مجلس النواب قاعدة الحكومة والوزراء فيقدم إلى الحكم وزراء امتلكوا خبرات اجتماعية وتشريعية وقدرة على التواصل مع الناس وإضفاء شرعية اجتماعية وسياسية على السلطة التنفيذية تجعلها أقرب إلى الناس، وليست مستندة إلى نخبة أنيقة ومعزولة من رجال الأعمال والتكنوقراط والأكاديميين وكبار الموظفين حتى لو كانوا ناجحين في أعمالهم، فالسياسة والحكم لا يقومان فقط على النجاح الشخصي في الإدارة والأعمال.

[email protected]

التعليق