المبادرة العربية والرأي العام في إسرائيل

تم نشره في السبت 21 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

هناك اتجاه ضعيف في تحليل السياسة الخارجية يركز على أهمية الرأي العام، ويعتبره الموجه الاول للسياسة الخارجية في الدول الديمقراطية على وجه الخصوص.

وقد لاقى هذا الاتجاه رواجا، لا سيما لأنه يوفر ارباحا مالية طائلة، ولا يحتاج الى كد ذهني للخروج بنتائج وقراءات تحليلية. وفي العادة، تكون دراسة الرأي العام خالية من اي مساهمات فكرية أو تحليلية، فهي في أحسن الأحوال وصفية لا تقدم حلولا. وأكثر الجهات التي تنظم دراسات للرأي العام هي مراكز صحافية، تسعى الى نتائج سريعة، لتبرير  سياسات معينة أو معارضتها.

الحقيقة أن الرأي العام لا يصنع السياسة الخارجية، بالرغم من انه يشكل عامل ضغط. فمثلا، ذهب بلير الى حرب العراق خلافاً للرأي العام البريطاني؛ ويصر الرئيس بوش على البقاء في العراق بما يعارض الرأي العام الاميركي والعالمي، كما ترفض اسرائيل الرسمية قيام دولة فلسطينية على الرغم من وجود اكثرية الثلثين بين الجمهور الاسرائيلي تؤيد قيام دولة فلسطينية طيلة السنوات العشر الاخيرة. وقد وقعت حكومة رابين اتفاق اوسلو الأول من دون الالتفات إلى الرأي العام الاسرائيلي آنذاك.

مع ذلك، فقد كنت شخصيا من ضمن الداعين إلى اختراق الرأي العام الاسرائيلي، كونه يزيد من فرصة تحقيق العرب لأهدافهم، من دون أن يكون لدي أدنى وهم أن الذي يصنع السياسات في اسرائيل هي مؤسسات لا تتأثر كثيرا بالرأي العام، وذلك لاعتبارات امنية واستراتيجية لا يستطيع أي شارع فهم تعقيداتها.

يبين الاستطلاع الاخير الذي أجراه مركز تامي في جامعة تل ابيب حول المبادرة العربية ان 63% من الجمهور اليهودي سمع بالمبادرة، مقابل 56% في الوسط العربي. ومن الذين سمعوا بها في الوسط اليهودي هنالك تأييد لها كأساس للتفاوض بنسبة 52% مقابل 41% يرفضونها؛ بينما يؤيدها 92% من عرب اسرائيل. لكن المثير أن 72% من المستطلعة آراؤهم يعتقدون ان أولمرت لا يتمتع بالدعم الشعبي الكافي للدخول في مفاوضات الحل النهائي والشامل، وهذا الانطباع موجود بين مصوتي كل الاحزاب، حتى كديما.

هذه النسب مهمة، لكن علينا تذكر أن الرأي العام الاسرائيلي لا يستطيع أن يكون مدخلا مهما في عملية صنع القرار لسببين: أولا، ان اللعبة السياسية في اسرائيل لعبة حزبية من الدرجة الاولى. وبالتالي تقوم الاحزاب بالحصول على المكاسب المادية والخدماتية لقواعدها، لكنها تتخذ مواقف في الكنيست والحكومة بعيدا عن رغبة هذه القواعد، ومثال ذلك تأييد شاس الضروري لاتفاقية اوسلو الاولى، بالرغم من أن قاعدة الحزب "صقورية" متشددة، لا توافق على السلام مع العرب ان استلزم ذلك التنازل عن أرض.

أما السبب الثاني فهو بنيوي، يتعلق بقانون الانتخاب والتمثيل النسبي الذي سمح لكل المصالح الايديولوجية الضيقة بالحصول على فرصة التمثيل، من خلال نسبة الحسم القليلة. والسبب في تبني قانون انتخاب بهذه الشاكلة هو تجربة اليشوف (المجتمع اليهودي في فلسطين ابان الانتداب البريطاني) التي كانت تهدف الى اعطاء جميع الشرائح فرصة التمثيل (ضمن استراتيجية الحشد والتأطير).

ومع التأكيد على أهمية معرفة اتجاهات الرأي العام في إسرائيل، إلا أن علينا استذكار وجود عوائق بنيوية تجعل من موقف الرأي العام مسألة ثانوية، يتسابق على استعمالها السياسيون في سياق تأييد خط سياسي معين او معارضته. واذا كان الأمر كذلك، فمن الواضح ان اولمرت لن يلتفت إلى الرأي العام المؤيد للمبادرة كأساس للتفاوض، وسيقوم باستخدام التقارب مع العرب ضمن استراتيجة البقاء السياسي.

لكن بما أن العرب قرروا المبادرة، والاشتباك مع الاسرائيليين، فعليهم الاشتباك مع العناصر الصحيحة داخل الجسم السياسي الاسرائيلي. إذ يجب ألا ننظر إلى الاسرائيليين كجسم سياسي واحد، فهنالك خلافات عميقة بين اعضاء الائتلاف الواحد، والاتصال مع الاطراف القريبة من مواقفنا مفيد جدا، على ألا نهمل الاتصال مع البقية الاخرى، لكن ثمة شخصيات معادية للسلام تهوي يجب ألا نقوم بإنقاذها.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اعلام سام (alaa)

    السبت 21 نيسان / أبريل 2007.
    نامل بان يكون الاشتباك بعدة وجوه..الاعلام الاسرائيلي خبيث بمقدار خبثهم... يجب ان ننظر ماذا يقول الاعلام عندهم وماذا ينقلوا عنا ... هناك دائما اخبار خبيثة تتناقلها الصحافة العربية نقلا عن الاعلام الاسرائيلي بدون تحليل او تمحيص وهي كلها تصب في تشويه سمعة العرب وخصوصا الاردن... فالننظر ما يقوله الاعلام الاسرائيلي بعد زيارة رئيسة برلمانهم للاردن ... نامل ان يكون هناك تفنيد لتلك الاخبار الخبيثة والتي اثارها بدون رد ليست بالساهل ... انظر ايلاف
  • »سؤال (بشار المعايطة)

    السبت 21 نيسان / أبريل 2007.
    اذا لماذا كان على العرب الاشتباك مع الراي العام الاسرائيلي اذا كان لا يصنع سياسة خارجية؟!