إبراهيم غرايبة

عيد الربيع والحياة والخلود

تم نشره في الاثنين 9 نيسان / أبريل 2007. 02:00 صباحاً

تعبر الحياة الإنسانية في مسارها وتجلياتها وأخطائها وإبداعاتها عن التوق المتواصل إلى الخلود والنور، والذي تحول دونه الأجساد والتراب والشهوات والضعف والموت. كيف يجعل الإنسان من الموت عبورا إلى الخلود وليس نهاية سرمدية تفضي إلى العدم والظلام؟ وكما تتجدد السنة في الربيع فتحيا بعد موتها، وكما ينشأ القمر بدرا بعد الموت "المحاق"، يمكن للإنسان أيضا أن يواصل حياته خالدا. ولكنه ليس خلودا تلقائيا.

تتساءل الآلهة بحسرة وحسد في الأساطير اليونانية: "كيف يستطيع هذا الإنسان الفاني أن يصنع الخلود"؟! وكان "أخيل" يرى الموت تميزا على الآلهة "التي تحسدنا لأننا نموت"، فبغير هذا الموت لن تكون بطولة ولا فنون ولا حضارة.

وهكذا، يكون الخلود في العمل الصالح الباقي إلى الأبد. وهكذا، فإن الألم والموت يتحولان إلى مصدر عظيم للحياة والرقي، فلولاهما لبقيت الحياة ساكنة كئيبة بلا معنى، فهل نحتفل في العيد بالموت أم بالحياة؟ بالخطئية أم بافتدائها والتكفير عنها؟ فلولا الموت لم تكن الحياة جميلة، ولولا الخطأ لم يكن الصواب، ولولا الظلام لم يكن النور، ولولا الجهل والزلل لما كان الفداء، تلك هي المسألة الأزلية في الحياة، فبغير هذا الشك المتواصل لم يكن اليقين ولا العلم والفلسفة والرواية والفن والتقدم، كيف يكون الشك مصدرا للعلم؟ وكيف تكون الفوضى سبيلا إلى النظام؟ فبغير هذا الشعور الراسخ بالخطأ والتقصير، وأن ثمة ما هو أفضل، لا تكون حاجة إلى التطوير والتعلم والبحث والتفكير، وبغير السؤال الملح والقاسي لن تكون طمأنينة.

"لن تكون إلها"، كان هذا الخطاب المسيحي البسيط أقوى من جبروت القوة والتفوق والفلسفة المتراكمة لليونان والرومان، كما يكون الفنار البسيط في صخرة وسط المحيط أقوى من البوارج والسفن وحاملات الطائرات، ويجبرها على الخضوع له وتغيير مسارها.

لكن الرغبة العارمة والراسخة بالألوهية على تلك الضفة من المتوسط وجدت في المسيح حيلة جديدة تخلص النزاع من الصراع المرير والجبار مع الآلهة وتحديها، فثمة فرصة للاتحاد بالله أو التأله "ليكون الجميع واحدا كما انك أنت أيها الأب فيّ وانا فيك ليكونوا هم أيضا واحدا فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني، وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدا كما أننا نحن واحد، أنا فيهم وأنت فيّ ليكونوا مكملين إلى واحد وليعلم العالم انك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني" (إنجيل يوحنا).

وهكذا، فثمة ما ومن يساعدك على أن تلتقط الحيلة اليونانية لتواجه الموت بأن تكون شريكا في الطبيعة الإلهية. ولم تعد هذه النعمة الكبرى حكرا على النبلاء والملوك وأنصاف الآلهة. وظل الجبروت والقتل هدفا عظيما ومبررا أخلاقيا، لكنها في الضفة الأخرى من المتوسط كانت فكرة "ربانية" ترى في هذه الحكمة دليلا لطاقات جديدة تمد الحياة بمعان وموارد جديدة.

كيف يكون العقل مصدرا للحياة والتقدم بدلا من الطبيعة؟ فكانت الكتابة والقراءة والسفر والتجارة وتسخير الرياح، وكانت قوة البحر وموارده. كيف تجعل من نفسك ما تريد، وكيف تكون ما تريد؟ فالخلود موجود من دون بحث عنه، إنه حولك، في العمل وفيك وفي عقلك ونفسك، ولا تحتاج إلى هذا السعي العبثي المرهق وراء زهرة الخلود التي سرقتها منك الحية، هي لم تسرق منك شيئا، ولكننا لا ندرك أقرب الأشياء إلينا إلا في الجدل والبحث بعيدا وفي كل مكان، كما تمضي ساعات طويلة في تعلم السباحة، ثم تكتشف أنك قادر على السباحة تلقائيا بذاتك من دون تعليم، لكنك لن تدرك ذلك ولن تكون قادرا عليه إلا إذا تعلمت السباحة، ولكن لماذا يغرق الناس والغطاسون والمنقذون؟

[email protected]

التعليق