بعد إيرلندا الشماليّة: متى نحن؟

تم نشره في الثلاثاء 3 نيسان / أبريل 2007. 02:00 صباحاً

يوم الاثنين، 26/3/2007، جلس إيان بايزلي وجيري ادامز على الطاولة معاً وأعلنا توصّلهما الى اتّفاق لاقتسام السلطة في إيرلندا الشماليّة (ألستر) يبدأ العمل به في 8 أيّار المقبل. المراقبون اعتبروا أن مجّرد جلوس قيادات "الحزب الديمقراطيّ الوحدويّ" البروتستانتي المتطرّف و"حزب شين فين" الكاثوليكيّ الذي لا يقلّ تطرّفاً، منعطف ضخم. فكيف إذا ما أسفر اللقاء عن حلّ المعضلة الإيرلنديّة؟

والحال أن نزاع إيرلندا الشماليّة ربّما كان أقدم النزاعات التي لا يزال يعيشها كوكبنا. وهو، حكماً، أقدم وأهمّ النزاعات التي لا تزال تقيم في أوروبا الغربيّة. وحين نتذكّر "مشكلة الشرق الأوسط" مقارنةً بذاك النزاع، نلحظ أن كلّ العناصر الانفجاريّة، من ترابيّة واستيطانيّة ودينيّة وسياسيّة، تملكها إيرلندا الشماليّة مضاعفةً أضعافاً عدّة، ناهيك عن مدى امتدادها على زمن أطول بكثير، ما خلّف، ويخلّف، أحقاداً يُفترض أنها أكبر بكثير.

ولا يفوت المراقبَ، كذلك، أن يلاحظ ميل الايرلنديّين الشماليّين المتعاظم للوصول الى تسوية، أقلّه منذ أواخر التسعينيات، تعباً من الحرب وشعوراً بعبثيّتها، قياساً بتضلّع الطوائف والجماعات في بلداننا، ما بين العراق ولبنان، في مواقفها العصبويّة والمتشنّجة.

لقد أودى الصراع الإيرلنديّ بآلاف البشر، وانطوى على مضامين سياسيّة وترابيّة ودينيّة تضرب جذرها في مئات السنوات. وكان مما يعقّد المشكلة دوماً ذاك التراكُب بين النزاع الطائفيّ والتناقضين الطبقيّ (حيث الكاثوليك أفقر من البروتستانت) والقوميّ–الاستقلاليّ. وكما هو معروف، يرجع هذا الأخير الى موقف البروتستانت "الوحدويّين" ممن يريدون البقاء جزءاً من المملكة المتّحدة (بريطانيا)، في مقابل الموقف التاريخيّ الكاثوليكيّ المتحمّس للقوميّة الايرلنديّة والانفصال عن بريطانيا والانضمام الى الجمهوريّة الايرلنديّة في الجنوب.

وفي التاريخ، تعود التمرّدات الفلاحيّة والكاثوليكيّة ضدّ حكم بريطانيّ شديد القسوة والرعونة الى القرن الثاني عشر، علماً أن القرن السابع عشر كان منعطفاً مهمّاً: ففي أواسطه غزا كرومويل إيرلندا بجيش جرّار، وما لبث الغزو الإنجليزيّ والبروتستانتيّ البيوريتانيّ أن مهّد لاستعمار استيطانيّ مارسه البروتستانت الانجليز في ألستر، عقر دار الكاثوليكيّة الإيرلنديّة. بيد أن الذروة النزاعيّة وصياغتها السياسيّة والقوميّة الحديثة كانت مع انتفاضة عيد الفصح في دبلن العام 1916، هذا التاريخ الذي غدا من منعطفات الحركة الوطنيّة الكاثوليكيّة والاحتراب الأهليّ تالياً. فالحدث الأخير هذا هو الذي أطلق العنف من لجامه كما أفضى الى تقسيم الجزيرة وقيام جمهوريّة الجنوب المستقلّة. هكذا استقلّت 26 مقاطعة فيما بقيت 6 مقاطعات شماليّة ضمن الحكم البريطانيّ. وعلى امتداد عقود، ظلّت الأقليّة الكاثوليكيّة في الشمال، مع أنها أقليّة كبرى، تعاني التمييز في ما خصّ العمالة وشروط السكن، فيما تعاني الأكثريّة البروتستانتيّة، مع أنها أكثريّة صغرى، الخوف من احتمالات الذوبان والتذويب في كلّ إيرلنديّ وكاثوليكيّ أكبر.

وفي هذا السياق كانت مواجهة 1969 الكبرى، حين تأدّت عن التظاهرات الكاثوليكيّة المطالبة بالحقوق المدنيّة واعتراضها العنفيّ من قبل البروتستانت "الموالين" لبريطانيا أعمال شغب مفتوح. ولئن عزّزت لندن حضورها العسكريّ هناك، فقد بدا النزاع المسلّح مع "الجيش الجمهوريّ الايرلنديّ" بعض ما يستحيل تجنّبه. وبدورها، ردّت القوّات الموالية بحملة عنف طائفيّ ضدّ الطائفة الكاثوليكيّة من غير تمييز.

هكذا، ومع تردّي الأوضاع الأمنيّة، تمّ تعليق البرلمان وإخضاع إيرلندا الشماليّة للحكم المباشر من لندن. ومن سيّئ الى أسوأ سارت الأمور. فعلى مدى السبعينيات والثمانينيات وصولاً الى أوائل التسعينيات، شنّ المسلّحون من الطرفين حملاتهما الارهابيّة المتبادلة، فنفّذ "الجيش الجمهوريّ" عمليّات تفجير وهجمات بالأسلحة الرشّاشة، في ايرلندا الشماليّة كما في انجلترا نفسها، استهدفت عسكريّين ورجال شرطة وسياسيّين ومدنيّين أبرياء. وكان المسلّحون البروتستانت يردّون على كلّ عدوان بمثله، وأحياناً بما يفوقه حجماً وضخامة. ولئن حاولت القوّات البريطانيّة ورجال الشرطة، في هذه الغضون، الحفاظ على الأمن، فذلك ما كان أحياناً يفضي الى تجاوزات على القانون وعلى حقوق المواطنين وحريّاتهم، لا سيّما في حالات التعاون السريّ مع المسلّحين البروتستانت.

على أنه في مطالع التسعينيات، وفي موازاة انتهاء الحرب الباردة وانفراجات الوضع الأوروبيّ عموماً، بدأت العمليّة التفاوضيّة بين الأحزاب السياسيّة في الشمال وحكومتي بريطانيا وإيرلندا الجنوبيّة. وبعد سنوات عدّة، تمّ التوصّل الى وقف إطلاق نار أيّده "الجيش الجمهوريّ" والجماعات الموالية، فصير الى توقيعه يوم الجمعة الحزينة العام 1998. وبالاتّفاق هذا نيط إرساء صيغة لتقاسم السلطة، بحيث تُوزّع الحقائب الوزاريّة تبعاً لقوّة الأحزاب والتمثيل البرلمانيّ، فحينما استفتي الايرلنديّون الشماليّون والجنوبيّون أيّدته أكثريتهم، فيما تنازل الجنوبيّون، بموجبه، عن زعمهم التاريخيّ بضمّ الشمال.

لكن المشكلة استمرّت شكوكاً واتّهامات متبادلة، ما أدّى الى استمرار تأجيل العمل بفكّ الارتباط عن لندن مرّة بعد مرّة. وفي تشرين الأوّل 2002 كان آخر تأجيل تسبّبت به تهم وُجّهت الى الجيش الجمهوريّ" بالتجسّس، من خلال شبكة تابعة له، على الأنشطة الحكوميّة. وقد تبيّن لاحقاً أنها رواية مختلقة يقف وراءها عميل بريطانيّ. وبالفعل ففي نيسان  2006 عُثر على العميل المذكور مقتولاً. قبل ذلك، وفي صيف 2005، وفي مناخ ما بعد عمليّة 7 تمّوز 2005 الارهابية في لندن أعلن "الجيش الجمهوريّ"، في خطوة تاريخيّة، عن نزعه سلاحه. ومن ناحيتها أكّدت الحكومة البريطانيّة أن "الجيش الجمهوريّ" تخلّص فعلاً من سلاحه، إلاّ أن الوحدويّين الموالين تمسّكوا بشكوكهم من غير أن يستطيعوا تقديم دليل واحد معاكس.

لقد عُبّدت طريق إيرلندا الشماليّة الى السلام بكثير من الدم وكثير من الشكوك المتبادلة، لكنها عُبّدت أيضاً بحجب الايرلنديّين الشماليّين طويلاً عن أوروبا، وتالياً عن التقدّم والازدهار فباتت جمهوريّة الجنوب مضرب مثل عليه.

وهذه الاستفاقة المتأخّرة على عبث العنف ولاجدواه تحملنا على طرح سؤال بريء: متّى نحن؟

كاتب لبناني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بنفس البراءة اجيب على سؤالك (حسام مطلق)

    الثلاثاء 3 نيسان / أبريل 2007.
    حين يلج الجمل في سم الخياط