إبراهيم غرايبة

لماذا يكسب المتطرفون التأييد؟

تم نشره في الاثنين 2 نيسان / أبريل 2007. 02:00 صباحاً

ربما يكون الميل إلى التشدد الوطني والقومي والفكري والسياسي والديني يعبر عن نزعة تحيزية فطرية لدى الأفراد والشعوب، وفي كثير من الأحيان يكون تعبيرا عن الشعور بالخوف والتهديد. ففي حالات الحروب والمخاطر، تميل الشعوب إلى اختيار المتشددين والمتطرفين، كما حدث في إسرائيل، على سبيل المثال، عندما أدت الانتفاضة الثانية والبيئة السياسية والأمنية المحيطة بها إلى تراجع حزب العمل وصعود الليكود بقيادة شارون؛ وكما يحدث اليوم في العراق من عودة إلى تجمعات متطرفة وعصبيات مذهبية وقومية وطائفية.

ويذهب بعض المفكرين والمحللين إلى أن فئة من السياسيين والمتنفذين يفتعلون الخوف أو يبالغون في استثمار حوادث العنف لخلق جو من الخوف يدفع إلى تأييدهم، كما حدث بعد الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة الأميركية بخاصة، وفي أوروبا والغرب بعامة. ويقال، كقاعدة عامة، إن الأميركيين عندما تحركهم دوافع الأمن والخوف ينتخبون اليمينيين الجمهوريين، وعندما تحركهم دوافع الرفاه والعدالة الاجتماعية ينتخبون الديمقراطيين الليبراليين. وبالمناسبة، فإن الليبرالية الأميركية تتفق إلى حد كبير مع اتجاه الطريق الثالث أو اليسار الاجتماعي في أوروبا، وليست هي الليبرالية الشائعة لدينا، والتي هي أقرب ما تكون إلى المحافظين الجدد.

وريما يكون صعود الجماعات والتيارات الأصولية في العالم الإسلامي اليوم تعبيرا عن الشعور بالخوف والتهديد، وفي العراق وأفغانستان والصومال بخاصة، تحتل الجماعات الأصولية مكانة متقدمة بسبب ظروف الاحتلال والهيمنة والفوضى.

لكن الميل إلى التشدد لا تقتصر فرصه على الخوف الكارثي أو التهديد الكبير والمباشر، وإنما ينجح في الجماعات والأحزاب ومجموعات الحكم والنفوذ في الحالات التي تبدو عادية ومستقرة. فربما يكون الخطاب المتشدد يملك إغواء وإغراء منطقيا، يدفع الناس والمسؤولين والناخبين إلى تأييده على نحو تلقائي، في الوقت الذي يحتاج الاعتدال إلى منطق معقد وحجج وتفكير يبدو مرهقا للناس، العامة منهم والنخب أيضا.

وقد نشرت مجلة "فورن بوليسي" لكل من دانييل كاهنمان، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد وعلم النفس والشؤون العامة بجامعة برينسون، وجوناثان رينشون، مؤلف كتاب "لماذا يختار القادة الحرب: سيكولوجية تفادي النزاعات"، دراسة مفادها أن 80% من الناس يميلون إلى الاعتقاد أنهم يقودون السيارات أفضل من المعدل؛ فالناس بعامة يميلون إلى تضخيم نقاط قوتهم. وقد أظهرت دراسات التحيز على مدى أربعين عاما ميلا على نحو كبير للأفكار والنزعات التحيزية، وهذا يجعل قادة الدول يبالغون في تضخيم النوايا الشريرة لخصومهم، ويسيئون تقدير نظرة خصومهم إليهم، ويكونون أكثر دموية وعنفا تطرفا في نزاعاتهم وخلافاتهم.

وينشأ التحيز والتطرف بسبب عدم القدرة على تفسير تصرفات الآخرين والخصوم، وعدم القدرة على إظهار أنفسهم في الحال المقبول لهم وللآخرين. ومن الأمثلة الشهيرة اليوم في عالم السياسة والتاريخ أن العداء الأميركي-الصيني والأزمة الكورية يعودان إلى اختلاف التقديرات بين الجانبين، فالأميركيون كانوا يفترضون أن الصين إلى جانبهم، والصين رأت في التقدم الأميركي في كوريا تهديدا لنظامها السياسي.

ومن الدوافع الأساسية والفطرية للتطرف الميل العام لدى الناس إلى الاعتقاد أنهم أكثر ذكاء وجاذبية من المعدل العام، وغالبا ما يفرطون في تقدير نجاحهم المستقبلي. ويميل الناس أيضا إلى "وهم السيطرة"، والمبالغة في تقدير مدى سيطرتهم على النتائج المهمة لهم، حتى عندما تكون النتائج عشوائية أو تحددها عوامل أخرى، ثم الاختلاف بين الأطراف المختلفة في هذا التقدير.

وبالطبع، فإن التطرف ليس خطأ دائما، وكذلك الاعتدال، فالحكمة والصواب ليست بالضرورة مع الاعتدال، وهذا ما يجعل تصميم القرارات والخطط أمرا معقدا تتداخل فيه المعلومات والتقديرات والنزعات والدوافع والمصالح.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اصوات الاقلية لها اصداء (مروة سلمان يوسف صلاح)

    الاثنين 2 نيسان / أبريل 2007.
    ليس بالضرورة ان يكون التمرد سلبي من الممكن ان ينحى منحى ايجابي وان يخدم الافراد الذين ينادون به
  • »انها فلسطين (حسام مطلق)

    الاثنين 2 نيسان / أبريل 2007.
    سأتفق معك سيدي في الشرح الاساسي وهو ان التطرف نتيجة للخوف. اما الفطرة فهي الرخاء. أما البداية الزمنية للتطرف فليست العراق وافغانستان. المجتمعات العربية مالت الى التوجه الاسلامي بشكل متدرج ومنذ هزيمة حزيران وسأضرب مثلا بسيطا وفي متناول حتى من لم يعش فترة الخمسينات والستينات. كثيرة هي الافلام المصرية والسورية القديمة التي تعرضت اليوم على شاشات التلفزة وفيها مشاهد للمارة في الشوارع حيث الكيمرا ترصد من احد الشبابيك العالية والمارة لايدرون انهم مرصودون بها. عد سيدي الى تلك اللقطات لن ترى ان هناك الكثير من الذقون الطويلة او الإشاربات على شعور النساء. بل الميل للتنانير القصيرة وباقي موضة السيتينات والخمسينات. مئات ومئات من المارة والمنظر واحد. كل امة حين تهزم ترتد الى ما هو اكثر شدة في جذرها وفي تلك الخيبة الكبيرة بالمد القومي الذي مثلة عبد الناصر وما آلت اليه الجيوش العربية كانت بداية التحول. ما نراه اليوم هو نهاية الهرم وليس كما تفضلت بداية التوجه والتطرف. 1954 شهدت سوريا اخر انتخابات ديمقراطية افرزت ثلاث نواب للاخوان المسلمين فقط. أما اليوم فهم القوى الرئيسة في الشارع السوري. انها فلسطين.