مناسبة إنسانية

تم نشره في السبت 31 آذار / مارس 2007. 02:00 صباحاً

ظلم فادح تتعرض له المناسبات المهمة عندما يتم وضعها في اطار لا يتناسب مع حجمها ودلالاتها. فاليوم، يحيي العرب والمسلمون ذكرى مولد النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وهي مناسبة تحولت الى مواد مكررة في الصحف ووسائل الإعلام، وإلى احتفال رسمي تتكرر فيه الوجوه والحروف. وفي بعض المجتمعات، يرتبط المولد النبوي بنوع من الطعام، وكأننا نحيي حفل تأبين، او نمارس طقوساً تحول المناسبة الى نوع من الكهنوت! وفي المحصلة، نظلم صاحب الذكرى عليه السلام، ونخرج بمثل هذه الايام عن اصولها.

ذكرى مولد النبي محمد، عليه السلام، تتجاوز حدود المناسبة الدينية الى كونها مناسبة انسانية. فهو، عليه السلام، شخصية عالمية، غيّر برسالته وجه العالم؛ صنع أمة ودولة وحضارة؛ أعاد عبر الدولة التي صنعها صياغة جغرافيا العالم وهويته وسلوكه وقيمه. لهذا، فقد تعامل المنصفون في العالم مع محمد، عليه السلام، باعتباره شخصية انسانية تركت برسالتها واتباعها بصمة ايجابية كبرى على الانسانية، دولاً وقيماً وجغرافيا وحضارة. ولهذا وقف حتى من لا يؤمنون برسالته وقفة موضوعية مع هذا الانسان الذي تسلح برسالة سماوية، وقالوا فيه ما يستحق من تقويم، واحياناً كانت شمولية النظرة لدى بعض هؤلاء المفكرين اكثر انصافاً للرسول محمد وشخصيته وتأثيره من بعض ابناء الامة، ممن اعتقدوا ان التقدمية تعني التنكر للامة وحضارتها وقادتها، وعلى رأسهم محمد عليه السلام.

ذكرى مولد النبي، عليه السلام، مناسبة انسانية كونية، لانها فتحت على العالم بوابة التغيير الايجابي. لهذا، فالتحدي الذي كان على الامة هو ان لا تحتكر مناسبات الرسوم الكريم لها، او أن تحولها -بحسن نية- الى ليالي ذكر وخطابات، بل عليها جعلها من ايام الانسانية. فالدين الذي حمله محمد، عليه السلام، حملته فئات واسعة من كل الامم والشعوب، وكانت هذه الرسالة دائماً تقوم على الخلق والسلوك القويم وتقديم نموذج بشري متميز في كل جوانب الحياة؛ بشر يخطئون، لكنهم يمارسون الطبيعة البشرية الكاملة من خطأ وتوبة. فمحمد كان بشراً، وجاء برسالة للبشر بكل مكوناتهم ونقاط ضعفهم وقوتهم.

ذكرى مولد النبي محمد، عليه السلام، مناسبة لمن يؤمنون بالإسلام ان يتوقفوا عند كل جوانب شخصيته التي كانت بسيطة في تفاصيل حياتها، بساطة قائمة على منظومة الاخلاق والقيم الاسلامية. لكنه، عليه السلام، كان شخصية كونية، استطاع ان يغير تركيبة الشخصية العربية، فعجزت امبراطوريات ذلك العصر عن مواجهة اتباعه ليس في الجانب العسكري فقط، بل فيما يحملون من مضمون، ولهذا تحولت بقاع عديدة في العالم الى الاسلام عبر التجار والسلوك الذي يحمله المسلمون، وهذه كلمة السر الحقيقية في الاسلام؛ فهي الانسان ومنطلقاته، ومبررات حركته، ومضمونه القيمي والاخلاقي. وهذه هي مشكلة امتنا الان: الانسان الذي يمثل حجر الاساس لحركة المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

محمد، عليه السلام، نبي لكل العرب، حتى ممن يحملون دينا غير الاسلام؛ فالعقيدة خيار شخصي احترمه الاسلام، لكن مجمل تأثير رسالة النبي الكريم صنعت واقعاً جديداً للامة بكل مكوناتها، مسلمين وغير مسلمين، بل ان النبي الكريم نموذج لكل بني البشر، وكثير من النصوص القرآنية ومن السيرة النبوية والحديث تحدثت عن الانسان اياً كان جنسه ودينه وعرقه، فالله تعالى وصف النبي بقوله: "وما ارسلناك الا رحمة للعالمين". وما حمله من قيم وأخلاق كان لكل الناس، فمن آمن بالاسلام حمل هذه المنظومة كجزء من عقيدته، ومن اختار عقيدة اخرى تعامل معها كفكر وقيم انسانية.

كثير من مناسباتنا تحتاج الى انصاف منا جميعاً، لنعطيها مكانتها التي تستحق في حياتنا، ونخرجها من كونها اياماً ارشيفية او بروتوكولية الى جزء من حياتنا، نقرأ ما فيها كما يجب ان يقرأ، بعيداً عن أجواء الكآبة التي صنعناها مع كثير من أيامنا ومناسباتنا العظيمة.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار (عمار علي القطامين)

    الأحد 1 نيسان / أبريل 2007.
    الإحتفال بالمولد النبوي هو بدعة ليس لها أي أساس في الدين الإسلامي، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
    لا أظن أن أحدا في الأردن قد خصص عطلته هذه للتأمل والتفكر في العبر والدروس المستخلصة من هذه المناسبة الدينية، اكاد أن أراهن أن أغلبهم قد استمتع بالعطلة ولم يعرف ما هو سببها !! اطلب من الحكومة إلغاء هذه العطلة واستبدالها بيوم عمل عادي، وبكفي نوم يا شعب. !!
    من أراد أن يحتفل فليحتفل لوحده بعد الدوام.
  • »معادلة النجاح (م. سليمان الشطي)

    السبت 31 آذار / مارس 2007.
    إن محمد صلى الله عليه وسلم أنار للأمة مسار حياتها ومنح البشرية الهدف والغاية الوجودية وبين لهم سبل النجاح والإبداع فالنجاح يكمن في الالتزام والثبات على المبادئ الإسلامية وكيفية تطبيقها في الحياة العامة.فالعاصي يكون دائما قليل التركيز وبالتالي يفقد القدرة على استغلال الخلايا الدماغية وبالتالي يخسر هدفه وغايته الوجودية ,فجميع البشر يملكون الخلايا دماغية ذاتها ولكن تكمن المعضلة في كيفية استغلالها فالإبداع والانجاز هو نتاج(مخرجات)معادلة تتكون مدخلاتها من إتباع القواعد الشرعية الصحيحة بالإضافة إلى علاقة تكاملية بين تطبيق القواعد الشرعية ومظاهر الحياة العامة عندها نحصل على منتج حضاري ذو جودة عالية.ومن يكون عنده خلل في مدخلات معادلة النجاح(العاصي) تكون حياته خاسرة وفاشلة فبدين نرتقي ونؤسس للمجد عنوان.
    والأمة الأندلسية مثال تطبيقي واضح فكان العالم ملم بعدة علوم بوقت واحد لان القران الكريم هو أساس العلوم فقد كانت الأندلس شعلة رقي وتميز وحضارة كانت مرتكزاتها وأسسها صحيحة وعندما صار الخلل فشلت وسقطت الأندلس قال تعالى( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) وصلى الله وسلم على سيدنا محمد