السياسة الخارجية الأميركية بعد العراق

تم نشره في الأربعاء 28 آذار / مارس 2007. 02:00 صباحاً

تُـرى ماذا سيأتي بعد العراق؟ وإذا ما فشلت قوات التعزيز الحالية التي قرر الرئيس جورج دبليو بوش إرسالها إلى العراق في التوصل إلى نتيجة يمكن أن يطلق عليها "انتصاراً"، فما هي الدروس التي قد تستمدها الولايات المتحدة الأميركية فيما يتصل بسياستها الخارجية؟ هل تنغلق أميركا على نفسها كما فعلت بعد هزيمتها في فيتنام منذ ثلاثة عقود؟ هل تتحول عن دعم الديمقراطية والترويج لها إلى نظرة واقعية ضيقة لمصالحها؟ حتى مع أن المناقشات الدائرة في واشنطن الآن مثبتة على العراق، إلا أن عدداً من المراقبين الأجانب النابهين يطرحون مثل هذه الأسئلة ذات الانعكاسات الأبعد أمداً.

لقد أخطأ المحللون والخبراء في كثير من الأحوال في تحليل موقف أميركا في العالم. على سبيل المثال، منذ عقدين من الزمان، ساد مفهوم تقليدي رأي أصحابه أن الولايات المتحدة كانت في انحدار. وبعد عقد من الزمان، مع انتهاء الحرب الباردة، كان المفهوم التقليدي السائد يرى أن العالم كان عبارة عن هيمنة أميركية أحادية القطبية. حتى أن بعض المحللين من المحافظين الجدد استنتجوا أن الولايات المتحدة كانت من القوة إلى الحد الذي يسمح لها بأن تقرر أن ما تراه هو الصحيح، وأن الآخرين لابد وأن يتبعوا رؤيتها. واحتفل تشارلز كراوثامر بهذه النظرة فأسماها "الأحادية الجديدة"، ولقد أثرت هذه الرؤية بشدة على إدارة بوش حتى قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.

إلا أن الأحادية الجديدة كانت مبنية على سوء فهم عميق لطبيعة القوة في السياسة العالمية. فالقوة هي القدرة على التوصل إلى النتائج التي يرغب فيها المرء. وسواء كان امتلاك الموارد اللازمة من شأنه أن يؤدي إلى مثل هذه النتائج فإن الأمر يعتمد على السياق المحيط بالقوة. على سبيل المثال، قد تكون الدبابة الحديثة الضخمة مصدراً للقوة إذا كانت الحرب تدور في بيئة صحراوية، وليس في مستنقعات ـ كما اكتشفت أميركا في فيتنام. في الماضي كان من المفترض أن القوة العسكرية قادرة على الفصل في أكثر القضايا، إلا أنه في عالم اليوم، أصبح السياق الذي يحيط بالقوة مختلفا إلى حد عظيم.

كنت قد شبهت توزيع القوى في عالم السياسة اليوم برقعة شطرنج ثلاثية. على الرقعة العليا ـ التي تمثل العلاقات العسكرية بين الدول ـ سنجد أن العالم أحادي القطبية حقاً، ومن المرجح أن يظل على هذه الحال لعقود من الزمان. ولكن على الرقعة الوسطى _ حيث العلاقات الاقتصادية ـ فسنجد أن العالم قد أصبح متعدد الأقطاب بالفعل، ولا تستطيع الولايات المتحدة في هذا السياق أن تحرز النتائج التي ترغب فيها دون أن تتعاون مع أوروبا، واليابان، والصين، وغيرها من القوى الاقتصادية. وعلى الرقعة السفلية، حيث القضايا المتخطية للحدود القومية والتي تقع خارج نطاق سيطرة الحكومات ـ بما في ذلك كل شيء من تغير المناخ، إلى الأوبئة، إلى الإرهاب الدولي ـ تتوزع القوى على نحو فوضوي، وليس من المنطقي أو المفهوم على الإطلاق أن تزعم أميركا لنفسها الهيمنة في هذا السياق.

مع ذلك فإن أعظم التحديات التي نواجهها اليوم ناشئة على هذه الرقعة السفلية. والسبيل الوحيد إلى استيعاب هذه المشاكل يتلخص في التعاون مع الآخرين. ففي هذا السياق لا وجود لحل عسكري بسيط قادر على تحقيق النتائج التي نرغب فيها.

لقد أخطأ الأحاديون الجدد الذين سيطروا على إدارة بوش الأولى حين تصوروا أن التوزيع الأحادي للقوى في السياق العسكري كان كافياً لتوجيه السياسة الخارجية. لقد كانوا كالصبي الصغير الذي يحمل مطرقة ويتصور أن كل مشكلة عبارة عن مسمار. ولقد باتت خطورة هذا التصور واضحة الآن. فكل من يمارس لعبة الشطرنج الثلاثية بالتركيز على رقعة واحدة لابد وأن يخسر على الأمد البعيد.

من حسن الحظ أن البندول بدأ في التأرجح نحو التعاون من جديد. فأثناء ولاية بوش الثانية رحل بعض أشد أصحاب الفكر الأحادي تطرفاً عن الحكومة، وبدأ الرئيس في تناول المشاكل الصعبة مثل كوريا الشمالية وإيران بتوجه أكثر ميلاً إلى التعددية مقارنة بولايته الأولى. وعلى نحو مماثل، وبرغم كل الشكاوى بشأن الأمم المتحدة، فقد لجأت الولايات المتحدة وغيرها إلى الأمم المتحدة لإصلاح الفوضى في أعقاب حرب لبنان التي دارت رحاها أثناء الصيف الماضي.

كانت حرب العراق بصورة خاصة، سبباً في زيادة الوعي الشعبي بالأخطاء التي ارتكبت أثناء ولاية بوش الأولى، إلا أن قضايا أخرى أيضاً تشهد تغييراً الآن. فقد أصبح الأميركيون الآن أكثر ميلاً إلى العمل التعاوني بشأن قضية تغير المناخ العالمي. وعلى نحو مشابه أصبح خطر الأوبئة العالمية يعني أن الأميركيين قد يدركون أهمية تعزيز قوة منظمة الصحة العالمية، تماماً كما أدت مشكلة الانتشار النووي إلى زيادة الوعي بأهمية الهيئة الدولية للطاقة الذرية.

إن الطبيعة التي تتسم بها مثل هذه المشاكل تعني أن الولايات المتحدة باتت لا تملك رفاهية الانغلاق على الذات أياً كانت النتائج في العراق. فهي مشاكل من النوع الذي لا يمكنك أن تتركه خلفك في الخارج، بل إنها تتبعك إلى عقر دارك.

ليس من المرجح أيضاً أن ترتد السياسة الخارجية الأميركية إلى نظرة واقعية ضيقة وتتخلى عن كل تأكيداتها على الديمقراطية وحقوق الإنسان. فعلى الرغم من إسقاط حرب العراق لفكرة فرض الديمقراطية بالقوة، إلا أن كلاً من الجمهوريين والديمقراطيين يتسمون بميل قوي نحو المثالية في توجهاتهم المتعلقة بالسياسة الخارجية.

إن المشكلة التي ستواجه من سينتخب رئيساً للولايات المتحدة في 2008، أياً كان، تتلخص في التوصل إلى السبل الواقعية الملائمة لتنمية القيم الديمقراطية وتعديل اللغة الرسمية وفقاً لهذا. فحين تتجاوز اللغة الخطابية الحقيقة بصورة مبالغ فيها، يراها الآخرون نفاقاً ورياءً. لقد بات لزاماً على الأميركيين أن يبحثوا عن السبل اللازمة لتأكيد رؤيتهم للديمقراطية، والحرية، والحقوق، على النحو الذي يحترم الاختلاف وآراء الآخرين.

لقد تعلمنا من درس العراق أهمية تنمية المجتمع المدني وحكم القانون قبل محاولة عقد انتخابات عريضة القاعدة. فالديمقراطية ليست مجرد تصويت، فهي تتطلب استثمارات ضخمة في التعليم، وبناء المؤسسات، ودعم المنظمات غير الحكومية. ولابد وأن تضرب الديمقراطية بجذورها في أعماق المجتمع الوطني وأن تحمل سماته وخصائصه، لا أن تفرض من الخارج.

ليس من المرجح أن يكون سلوك الولايات المتحدة بعد العراق شبيهاً بما فعلته في أعقاب حرب فيتنام. فالمفارقة التي تحيط بالقوة الأميركية تكمن في عجز القوة العسكرية العظمى الوحيدة في العالم عن حماية مواطنيها بالعمل بمفردها.

جوزيف س. ناي أستاذ بجامعة هارفارد ومؤلف كتاب "مفارقة القوة الأميركية".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجكت سينديكيت

التعليق