بعد اتفاق مكة: حماس وسؤال الداخل

تم نشره في الاثنين 26 آذار / مارس 2007. 03:00 صباحاً

ثمة أسئلة مشروعة حول التفاعلات والمناظرات داخل حركة حماس في معمعة المخاض الكبير الذي تمر به الحركة اليوم، وبالتحديد بعد اتفاق مكّة مع حركة فتح، الذي اعتبره تيار داخلي تنازلاً عن أيديولوجية الحركة وميثاقها، وتصالحاً مع عناصر وقيادات فتحاوية، كمحمد دحلان، يعتبرها هذا التيار فاسدة ومعادية للحركة ومتورطة في مخططات ضدها.

أحد المخرجات الرئيسة لاتفاق مكة كان ما يسمى بالتمرد الداخلي الذي إشارت تقارير أمنية إسرائيلية أنه تم بقيادة يوسف الزهار شقيق وزير الخارجية السابق محمود الزهار، وجمال الجراح قائد القوة التنفيذية التابعة لحماس، ونتج عنه تنشيط العمل المسلّح، وقد ترافق ذلك مع قيام كتائب القسام بالإعلان عن تبنيها قنص مستوطن يهودي، وتجدد الاشتباكات بين فتح وحماس، وكلها مؤشرات على وجود "أزمة" داخل الحركة.

مصادر داخل حماس لم تنفِ وجود إرهاصات لتمرد داخلي لكنها أكّدت أنّه جرى تطويقه والتعامل معه، وإن كانت ذيوله والاختلافات الداخلية ماتزال قائمة، وقد لجأت قيادة الحركة إلى إقامة ورشات عمل متعددة ومكثّفة داخل أطر الحركة للتعريف باتفاق مكة وأبعاده، والتأكيد على أنّه لا يمثل تنازلاً وتراجعاً عن "ثوابت الحركة" بقدر ما يدفع، بدرجة رئيسة، إلى حماية السلم الأهلي الفلسطيني، استناداً إلى فتوى راسخة وثابتة بحرمة دماء المسلمين، وخطورة الاستسلام لمنطق الفوضى والفلتان الأمني والاقتتال الداخلي، الذي لن يؤدي إلى منتصرين وخاسرين، وإنما إلى مزيد من المعاناة الفلسطينية وتدهور الحياة اليومية، ودخول الفلسطينيين في نفق جديد أخطر من المراحل السابقة بأسرها.

في موازاة "الخلخلة" داخل الجناح العسكري هنالك تيار يريد العودة إلى ما قبل العملية السياسية، واستعادة العمل المسلح، أو الدعوة إلى انتفاضة ثالثة، ما يتناسب مع الخط الأصيل الذي قامت عليه أفكار الحركة وممارساتها السابقة، إلاّ أن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، فقد دخلت حماس في منعطف حاسم مختلف تماماً عن المرحلة السابقة، لا يمكن الرجوع عنه. وتشير مصادر داخل الحركة إلى أنّ التيار الداعي للعودة إلى العمل المسلح يقفز عن الظروف والشروط القاهرة وانسداد الآفاق التي دفعت بالحركة إلى خوض غمار اللعبة السياسية، بعد الامتناع عنها ورفضها لسنوات، فقد كان ذلك بمثابة هروب إلى أمام من استحقاقات مواجهة غير متكافئة عسكرياً وأمنياً، أطاحت برموز حماس السياسية، في سياق ظروف إقليمية حرجة للغاية، أدّت إلى تبني الحركة للتهدئة والعمل السياسي إلى حين تتمكن من التقاط أنفاسها، لكن الصدمة الحقيقية كانت في تحقيقها الأغلبية ما ورطها في معترك سياسي معقد، لم تكن أبداً قد خططت له، ولا أعدت كوادرها للتعامل معه.

لم يعد الفلسطينيون اليوم قادرين على مواجهة الحصار الاقتصادي الخانق، ومن يدّعي أنّ شعبية حماس لم تتأثر بالظروف الأخيرة، فهو واهم. بل إنّ القوة التنفيذية التي قامت بتشكيلها حماس من أفرادها والمؤيدين لها، تمثل اليوم، بحد ذاتها، ثقلاً وعبئاً مضافاً على عاتق الحركة، إذ أنّ أبناء هذه القوة أصبحوا ينظرون لها على أنّها مصدر دخل شهري، ويحاول ممن هم خارجها الدخول إليها بحثاً عن منفذ اقتصادي من الوضع المترهل من ناحية، وأصبحت هذه القوة، من ناحية ثانية، تمثل بدورها جناحاً داخل الحركة له مواقفه وملاحظاته، ما يصعّب عملية صنع القرار وتعبئة المجموع العام بالقرار السياسي النهائي الذي تتخذه قيادة الحركة بعد المشاورات.

على الجهة المقابلة، هنالك تيار حماسي آخر يدفع باتجاه أكثر براغماتية وواقعية في خطاب الحركة وممارساتها، ود. أحمد يوسف، مستشار هنية السياسي، هو من رموز هذا التيار الذي تعرّض لانتقادات من داخل الحركة والمؤيدين لها، بعض المصادر من داخل الحركة تؤكد أن يوسف أمضى فترة طويلة من الدراسة خارج فلسطين، وهو وإن كان في منصب رفيع في الحكومة الفلسطينية، إلاّ أنه خارج دوائر صنع القرار الحقيقية.

أبرز القضايا التي أثارت نقاشاً داخل الحركة ما سمي بوثيقة "جنيف"، وهي الوثيقة التي أكّد يوسف أنها ليست له، وإنما اقتراح أوروبي، بينما تشير معلومات وتقارير أخرى أنها من مقترحاته، بخاصة أنه تولّى عملية تسويق كثير من أفكارها في أوروبا، وفي مقدمة ذلك اقتراح الهدنة لمدة عشر سنوات، بحيث تستثمر الحركة هذه الفترة، كما يذكر يوسف، في تأهيل كوادرها لتقبل التحولات الفكرية والسياسية الجذرية في مسارها. وعاد يوسف بعد اتفاق مكة ليصرّح أنّ الفكر الذي تتبناه حماس قد يشهد تحولات أيديولوجية في الفترة القادمة.

على الصعيد الرسمي ماتزال هنالك حالة من الرمادية والغموض في مواقف الحركة فكرياً وسياسياً، ومحاولة للتلاعب بالمصطلحات والكلمات، كحديث خالد مشعل أنّ إسرائيل دولة أمر واقع، وموافقة الحكومة في اتفاق مكة على "احترام" قرارات القمم العربية، هذا التعبير يرى بعض المحللين الأميركيين والصهاينة، كروبرت ساتلوف، أنه منح حماس فرصة ذهبية للهروب من استحقاق الالتزام بالمبادرة العربية رسمياً ووفر غطاء عربياً لها، ما يمثل تناقضاً صريحاً مع الموقف الأميركي. في المقابل فإنّ مجموع التصريحات والمواقف الأخيرة للحركة تؤكد على أنها تزحزحت كثيراً عن ميثاقها التأسيسي، لكنها لم تستقر بعد على مواقف جديدة، فهي حالياً أقرب إلى حالة "اللاموقف" استراتيجيا.

يبقى أنّ المتغير الرئيس الذي يحكم الاتجاه الاستراتيجي، الذي ستتبناه الحركة، هو الظروف السياسية المحيطة، في حال استمر اتفاق مكة وانفتحت آفاق العمل السياسي ورفع الحصار وتحسنت الظروف الاقتصادية فإن التيار البراغماتي الواقعي سيكون الأقوى، أما إذا انتكست العلاقة مع فتح وبقي الحصار وتطورت الأمور باتجاه أكثر سوءاً فإنّ الخط الأيديولوجي القديم سيكون الأقوى.    

إذا كان هنالك غموض في الآفاق المستقبلية للحركة، فإن ما هو واضح، إلى الآن، أنّها تقف على مفترق طرق حقيقي، وأن أي خيار من الخيارات المطروحة أمامها كلفته عالية، وقد تكون له تداعيات كبيرة على بنيتها الداخلية وقدرتها على التماسك.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق