إبراهيم غرايبة

من يقود اليوم المجتمع والدولة؟

تم نشره في الاثنين 26 آذار / مارس 2007. 02:00 صباحاً

يمكن أن تساعدنا الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية  بعامة على ملاحظة حراك وتحولات تركيبة وطبيعة النخب والقيادات السياسية والاجتماعية، صحيح أن الانتخابات لدينا لا تمثل بأمانة وواقعية تحولات المجتمعات وتطلعاتها، ولكنها تساعد في الفهم والسؤال، وتعكس إن أمكننا قراءتها بمنهجية وأدوات صحيحة ومناسبة على نحو قريب من الصدق وعلى قدر كبير من الأهمية هذه التحولات والتطلعات، ونحتاج على مدى الشهور القادمة التي تسبق الانتخابات والتي تليها أيضا أن نواصل السؤال ومحاولة الفهم للخريطة الاجتماعية المتشكلة، لأننا بغير ذلك سنمضي إلى انفصال كارثي بين الواقع وبين التعامل معه.

كان ملاكو الأراضي وقادة القبائل والعشائر يشكلون مكونا أساسيا في المجالس النيابية والبلدية، ولكنهم اليوم اختفوا لصالح طبقة جديدة من المهنيين والجامعيين، حتى دوائر البدو لم تعد مختلفة عن الدوائر الجغرافية الأخرى، فيجري فيها تنافس حقيقي بين الأجيال والقوى الاجتماعية المختلفة، وتوصل إلى مجلس النواب أساتذة جامعيين وأطباء ومهندسين.

وفي الأردن بخاصة، وربما على خلاف ما يجري في مجتمعات ودول أخرى، فإن المحافظات كما يبدو في الانتخابات أكثر ثراء سياسيا واجتماعيا وأعقد بكثير من المركز في عمان والزرقاء، فالمحافظات تقدم إلى المجالس النيابية والبلدية أكثر من عمان شبابا عصاميين وقادة مؤهلين تأهيلا مهنيا وتعليميا متقدما، ويجري فيها تنافس انتخابي حقيقي ومعقد، ويمكن تذكر عشرات المرشحين في إربد والكرك والكورة وعجلون لم يصلوا إلى الانتخابات النيابية، ولكنهم حصلوا على أصوات أكثر بكثير تصل إلى ضعف ما حصل عليه نواب في عمان.

وأظهرت الانتخابات أيضا تحولات أكثر عمقا، وتتجاوز تراجع القادة التقليديين والسياسيين لصالح الشباب الجامعيين، فثمة واقع جديدة تذكر به الانتخابات على نحو ملحّ وبالغ الأهمية يعيد السؤال مرات عدة عن خريطة المجتمعات الجديدة وضرورة إدراكها بالفعل. ففي الأغوار الشمالية، على سبيل المثال، حيث تتمركز عائلة عريقة وتاريخية بالغة الأهمية "الغزاوي" والتي كان قادتها يتمتعون بلقب "أمير" وكانت واحدة من أهم القوى السياسية والقيادية في بلاد الشام على مدى العصور المملوكية والعثمانية، لم يصل منها مرشح الانتخابات النيابية برغم حصوله على سبعة آلاف صوت، بل إنها كانت تواجه صعوبات في الاحتفاظ برئاسة بلدية المشارع ومجلسها البلدي، ونحتاج أن نراقب الانتخابات البلدية والنيابية القادمة لنشاهد (ربما) كيف تعجز عائلة كانت تحكم جزءا واسعا من بلاد الشام عن الحصول على رئاسة مجلس بلدي هي أنشأته، وفي الوقت نفسه فإن "الغوارنة" تلك المجموعات المهمشة، والتي لا تكاد تملك شيئا في الغور برغم وجودها فيها منذ مئات السنين ونسبتها إليه، والتي كانت مغيبة عن التأثير والفرص استطاعت أن توصل إلى مجلس النواب منذ عام 1993 من نائب إلى ثلاثة نواب في بعض المجالس، وفي إربد مدينة "السبع خرزات" لم ينجح أحد من خرزاتها، ويمثلها في مجلس النواب اليوم نواب من غير خرزاتها، بل إن الأكثر دهشة في إربد أن مواطنا من جرش نجح فيها نائبا.

نحتاج إلى تفكير متواصل وجدال هادئ واستماع طويل وعميق ومبرمج حول نتائج الانتخابات على مدى الدورات السابقة، وربما يكون الاكتشاف الأول الذي سنتوصل إليه بعد دقيقة من التفكير والصمت أننا نخضع لعملية إغراق محيرة بالغة الضجيج لتضعنا في صورة نمطية من النتائج المضللة والوهمية حول العلاقة بين نتائج الانتخابات ومسارها وبين العشائرية ودور وواقع المرأة والحالة السياسية والاقتصادية، وهي صورة بالمناسبة لا أظن أن القيادات السياسية في الدولة مسؤولة عنها وإن لم تنشغل في مراجعتها وتصحيحها، ولكنها قوى وفئات اجتماعية وسياسية غير رسمية، وتشاركها مجموعات كسولة ومنحازة من الإعلاميين والباحثين.

نحتاج إلى أكثر من جلسات للأصدقاء والشلل من الإعلاميين والباحثين والسياسيين والنقابيين يشربون الشاي ويثرثرون، ثم تحول هذه الثرثرة إلى فواتير بمبالغ ونفقات هائلة وخيالية لمنظمات المجتمع المدني ومراكز الدراسات، ثم يعاد إنتاجها في تقارير لمنظمات دولية عن الإنجازات الديمقراطية والمجتمعات المدنية أو في طوفان إعلامي لكنه طوفان من الوهم والجهالة.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حقيقي جوهري (قارئ محب)

    الاثنين 26 آذار / مارس 2007.
    نحتاج إلى أكثر من جلسات للأصدقاء والشلل من الإعلاميين والباحثين والسياسيين والنقابيين يشربون الشاي ويثرثرون، ثم تحول هذه الثرثرة إلى فواتير بمبالغ ونفقات هائلة وخيالية لمنظمات المجتمع المدني ومراكز الدراسات، ثم يعاد إنتاجها في تقارير لمنظمات دولية عن الإنجازات الديمقراطية والمجتمعات المدنية أو في طوفان إعلامي لكنه طوفان من الوهم والجهالة.
    والله انك حقيقي جوهري