القمة القادمة: مواصلة للروتين أم بداية تصحيح؟

تم نشره في السبت 17 آذار / مارس 2007. 03:00 صباحاً

الاعلان عن تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية يشكل خطوة هامة جداً على طريق الاعداد لقمة الرياض العربية، التي تجري مشاورات مكثفة اخرى تمهيداً لها.

والمفروض ان تكون القضية المركزية، قضية فلسطين، والصراع العربي-الإسرائيلي في موقع الصدارة من جدول اعمال القمة. فبعد الخطاب التاريخي لجلالة الملك عبدالله الثاني امام الكونغرس، والتأكيد على أن اي تقدم في حل كل القضايا الاخرى التي تزعزع امن المنطقة واستقرارها، وحتى مناطق اخرى من العالم، مرهون بحل هذا الصراع؛ لم يعد غريباً توقع أن تحقق القمة تقدماً ما على هذه الجبهة الجامدة الحراك منذ سنين.

لكن المسألة ليست بهذه البساطة، وان كان لأي تفاؤل ما يبرره استناداً إلى حالة التأزم السائدة، وازدياد القناعات بضرورة التحرك ووضع حد لتدهور احوال المنطقة التي تعاني من حرب في العراق تدخل عامها الخامس، ومن صراعات متصاعدة في فلسطين ولبنان والسودان والصومال، كما تعاني من تفاقم احوال اليأس والتطرف وفقدان الامل، ما يهيئ الاجواء لرواد العنف وأربابه لاستغلال الأرض الخصبة للتحريض والتجنيد والتخطيط للمزيد، وبما يربك كل اوجه حياة الافراد والشعوب.

وان كان للتفاؤل ما يبرره فللتشاؤم، مع الاسف، ما يبرره ايضاً. والسؤال الكبير: هل ستخرج القمة العربية القادمة ببيان صارخ واضح للناس جميعاً، تقول فيه ان العرب يعرضون السلام على اسرائيل وفق مبادرة اطلقوها في قمة سابقة في بيروت العام 2002، تقدم لاسرائيل ما يحقق لها الأمن والاعتراف والعلاقات الطبيعية، مقابل تخلي اسرائيل عن الأرض التي احتلها العام 1967؛ ومقابل اعتراف اسرائيل بحقوق الفلسطينيين الاخرى، كما تنص القرارات الدولية؟ وهل ستضيف القمة إلى ذلك ما يفيد بأنه لا يمكن ان يبقى هذا العرض قائماً الى الأبد، فتبقى الامة العربية صامتة الى الأبد، بينما تستمر اسرائيل في عدوانها واحتلالها وتعطيلها لكل محاولة للسلام والتسوية؟ وهل ستخاطب القمة العالم بلغة واضحة، وتضع اسرائيل امام خيار واضح: اما السلام او التحلل العربي من كل التزام وتحميل اسرائيل مسؤولية اي عواقب؟

بطبيعة الحال من المستبعد ان يحدث هذا. والنتيجة استمرار اسرائيل في المماطلة، وفي خلق الحقائق على الأرض، مع تحميل العرب مسؤولية تعطيل السلام من دون اي مخاطرة من جانبها. فإسرائيل في ظل استمرار الوضع الراهن في مأمن من اي اجراء عربي يعارض احتلالها وعدوانها، وهي تطالب بالمزيد مما يعزز وضعها ويثبت مكاسبها، ويوفر لها كل الوقت لتنفيذ مخططاتها الاستيطانية والتوسعية.

وثمة ما هو اخطر يلوح في الأفق، ويتمثل في مطالبة إسرائيل المتكررة بتعديل المبادرة العربية، وتحديدا ما يتعلق منها بقضية اللاجئين. والمطلوب هو اسقاط حق العودة نهائياً وقانونياً بقرار عربي، وعدم الاصرار على حدود الرابع من حزيران.

ولا تطالب اسرائيل بتعديل المبادرة حتى تصبح مقبولة من قبلها، بل فقط لشراء الوقت، وتخفيض سقف المطالب العربية. وقد مارست هذا الاسلوب التفاوضي من قبل ونجحت، ولا تزال تمارسه وتتوقع، بل وتخطط للنجاح مجدداً.

وقد سمعنا أكثر من مسؤول عربي يعلنون رفضهم للبحث في اي تعديل، ونأمل ان يكون الامر كذلك. لكن اسرائيل قادرة على ان تقنع بمطلبها الدول التي تؤيدها وتتبنى مواقفها باستمرار، بحيث تصبح المطالبة بتعديل المبادرة العربية جزءا من لغة "المجتمع الدولي"، ويغدو مطلوباً من العرب فهم لغة "المجتمع الدولي" التي أصبحت في غالبيتها ترجمة للغة اسرائيل. والخوف الحقيقي من ان يعلو صوت المنادين بضرورة تفهم المناخ الدولي والمجتمع الدولي، وان تقوى نبرة الحديث عن ضرورة جعل المبادرة العربية اكثر تفهماً وقبولاً لذلك "المجتمع"، بتلطيفها وتعديلها طبعاً. وإن حدث ذلك، فسيكون نكسة كبيرة للموقف العربي من دون تحقيق اي شيء في المقابل،, وقد لا نكسب حتى "عطف" المجتمع الدولي الذي قد يطالب بمزيد من التنازلات، فنظل -كما هو حال السلطة الوطنية الفلسطينية- في سباق لكسب الرأي العام العالمي، وفهم لغة المجتمع الدولي، وننتهي باستهلاك الحقوق وتآكلها، وبعطف دولي مؤقت ومحدود الفاعلية، ومتغير ومطالب بالمزيد.

ليس المطلوب تجاهل المجتمع الدولي ولا تجاهل الرأي العام العالمي، إنما المطلوب هو تسمية الاشياء بأسمائها الحقيقية، من دون ان ننساق وراء التسميات المقنعة الخادعة. فلماذا لا نتحدث عن لغة القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة؟ ولماذا لا نطالب ذلك "المجتمع الدولي"، الذي لا يعدو كونه واجهة للموقف الاسرائيلي بما فيه "الرباعية"، بأن يسند مواقفه للقانون الدولي ولقرارات الامم المتحدة التي تشكل المرجعية القانونية والاصولية لحل الصراع؟

اما بالنسبة للرأي العام العالمي، والذي يجب ان نعيره كل الاهتمام، فلا بد ان نخاطبه بلغة العقل والاعتدال والواقعية السياسية؛ إذ يجدر بنا ان نميز اي رأي عام هو ذاك الذي يجب ان نستهدف؛ هل هو الرأي المتبني للموقف الاسرائيلي، والذي تتحكم فيه وتقوده الدعاية المكثفة المركزة والمروجة لكل ما تريده اسرائيل، في مقابل تشويه المواقف العربية؛ ام هو الرأي العام الموضوعي الذي يدرك تماماً خطورة استمرار التعنت الاسرائيلي ومواصلة العدوان الاسرائيلي، ليس فقط على امن وسلام المنطقة، بل وعلى امن وسلام العالم، كما دلل على ذلك اكثر من استطلاع للرأي اجري في صميم البلدان الغربية التي تؤيد اسرائيل وسياساتها عادة؟

ان من شأن تجاهل الرأي العام الموضوعي، كونه صامتاً في اكثر الاحوال، هو العامل الاخطر. ونحن نخذل هذا الجانب الهام من الرأي العام عندما نظهر المرة تلو الاخرى عجزنا عن الدفاع عن حقوقنا، وخضوعنا المستمر للابتزاز وتقديم التنازلات إلى ما لانهاية، وبلا مقابل، وبلا تقدم نحو التسوية السلمية. فما هو ذلك الموقف المتطرف في المبادرة العربية الذي يعجز اي مجتمع دولي عن فهمه، والذي يتوجب على العرب ان يتخلوا عنه ويستبدلونه بما هو اقل تطرفاً؟! وما الذي جاءت به المبادرة العربية ولم يكن اصلاً في قرارات الامم المتحدة، او في خريطة طريق الرباعية، او في كل المشاريع السلام المندثرة؟!

الخطة العربية التي رفضتها اسرائيل منذ لحظاتها الاولى، عرضت على اسرائيل اعترافاً كاملاً من جميع العرب بـ"حقها" في الاستيلاء على اكثر من ثلاثة ارباع فلسطين، وعلاقات دبلوماسية وطبيعية، وكل ما يحقق لها الأمن والامان والسلام؛ أفليس هذا ما تطالب به اسرائيل ويطالب به المجتمع الدولي؟ في المقابل، يطالب العرب بإنهاء عن الاحتلال، وتسوية قضية اللاجئين وبقية القضايا العالقة بموجب القانون الدولي وخريطة الطريق، فأين التطرف اذن؟ هذه الحقائق معروفة لاسرائيل، لكن مطالبها تتعدى ذلك بكثير. فهي لا تريد الانسحاب إلى خطوط الرابع من حزيران، لان ذلك يعني تفكيك مستوطناتها التي دأبت على بنائها خارج اطار الشرعية منذ اربعين عاما، فلماذا لا نطالب المجتمع الدولي ان يفهم لغة القانون والعدل، فيضغط على اسرائيل لتنصاع لحكم القانون بدلاً من الضغط على العرب للاستسلام لابتزاز مستمر، وللانصياع المتواصل للجشع الاسرائيلي؟

لم تطالب المبادرة العربية بحق العودة للاجئين، بل طالبت بحل تفاوضي لقضيتهم وفق القرارات الدولية، ما يترك اوسع مجال للتفاوض والتوصل إلى حلول معقولة. حق العودة هو جزء من قضية اللاجئين الفلسطينيين، ولا يمكن ان يعني عودة خمسة ملايين فلسطيني لإسرائيل، كما تدعي، لكنه يعني تسوية حقوق هؤلاء الناس الخاصة والفردية، وتعويضهم عن اضرارهم وممتلكاتهم بحكم القانون. ولا يوجد اي منطق في العالم يسمح بإسقاط هذه الحقوق. كما ان الوفاء بهذه الحقوق ينهي القضايا المعلقة، ويوفر لإسرائيل وضعاً افضل بكثير من ابقاء القضايا تتفاقم وتولد المضاعفات الخطيرة. حل قضية اللاجئين يعزز، ولا يهدد امن اسرائيل.

من الطبيعي ان تشمل كل عملية تفاوضية من اجل تسوية ما تنازلات متبادلة، وحلولا وسطا، وصيغا توفيقية؛ ومن الطبيعي ان يتوقع كل طرف في اي مفاوضات ان لا يحصل على كل ما يطالب به، لكن التنازلات المتبادلة والمتعادلة والمتساوية تتم خلال التفاوض، وتكون جزءاً لا يتجزأ من صفقة التسوية. غير أن الامر يختلف جذرياً مع اسرائيل؛ فهي طلبت وحصلت على كل التنازلات قبل الوصول الى طاولة المفاوضات، وهي لم تقدم تنازلاً واحداً لأي طرف عربي عبر تاريخها. ولا تزال تطالب العرب بتنازلات جديدة من دون اي مقابل، ومن دون اي التزام بأن ما تطالب به هو لغاية تصفية القضايا وحلها نهائيا،, بل تطالب بالتنازلات كمكاسب في حد ذاتها.

هل سيوافق العرب في قمتهم القادمة على استمرار هذا الوضع، ام ستكون القمة حداً فاصلاً لحالة الانهيار السياسي والتفاوضي، وبداية لتصويب المسار والاستفادة من دروس الماضي؟

مندوب الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »على العرب أن يدركوا جيدا مراوغة اسرائيل التي لا تفهم سوى لغة الحرب. (خالد مصطفى قناه .)

    السبت 17 آذار / مارس 2007.
    أتفق مع تحليل الأستاذ حسن بأن اسرائيل تراوغ وتطلب المزيد من التنازلات من الجانب العربي،اسرائيل تريد كل شيئ مقابل لا شيئ، وهذه هي العقليه الاسرائيليه التي فطرت عليها منذ أن خلقت، فان كان العرب جادين في تبوء مكانتهم العالميه بين الأمم، فعليهم في مؤتمر القمه القادم، أن يقرروا بأنفسهم خيار الحرب مع اسرائيل وأن لا يتراجعوا عن هذاالخيار، لأن عدوهم لا يفهم سوى لغة الحرب ، فلتكن هذه الحرب المقبله طويله ومستنزفه لسنوات تنهك فيها اسرائيل ومن وراءها، حتى يحق الحق ويزهق الباطل، فالدعوة للسلام يجب أن تنطلق من موقع القوه وليس من موقع الضعف كما هو حال العرب الآن، والذي يثير أطماع العدو التي لا تتوقف عند حد للمزيد من التنازلات العربيه،وليتأكد القاده العرب من معرفة قوتهم ويضعوا ثقتهم بشعوبهم التي ما خذلتهم أبدا في تقديم التضحيات والأرواح في سبيل تحرير الوطن من الاستعمار والاحتلال.
    لتأخذ القيادات العربيه عبرة من نضال الشعوب والأمم التي كانت أقل شأنا وقوة من العرب وتمكنوا من نيل استقلالهم ودحر قوى الظلم والطغيان،اسرائيل ترتعد وتبول في ثيابها من كلمة الحرب الطويلة الأمد، ما فل الحديد الا الحديد ودمتم.