د.باسم الطويسي

صورة إسرائيل بين الشمس والغربال

تم نشره في الأحد 11 آذار / مارس 2007. 02:00 صباحاً

أظهرت نتائج استطلاع للرأي العام العالمي أجرته هيئة الإذاعة البريطانية BBC، ونشرته قبل أسبوع، بأن إسرائيل أكثر دولة في العالم تترك انطباعا سلبيا لدى الرأي العام العالمي؛ حيث أبدت أكثرية المستجوبين -وعددهم 28 ألف شخص من 27 دولة- هذا الانطباع، دون حاجتهم الى النظر من خلال الغربال العربي الشهير لرؤية إسرائيل، والذي أثبتت الأحداث والتحولات انه أصابنا نحن بالعمى قبل الآخرين.

وفي حين أيد 56% من المستجوبين مكانة إسرائيل في إثارة كل هذا الاستياء، فقد نافسها في هذه المكانة كل من إيران 54%، والولايات المتحدة 51%، ووقفت على المنصة ذاتها كوريا الشمالية 48%.

وإذا ما توقفنا عند الحيثيات التي تتعلق بالصورة الذهنية عن إسرائيل لدى الرأي العام العالمي والعديد من النخب وقادة الرأي في العالم، نلمس حجم التغير الكبير الذي نال تلك القناعات، لكنه - للأسف- لم يصل الى الرأي العام الدولي ونقصد الرسمي. ويكفي أن نتذكر خلال السنوات الثلاث الأخيرة تصريحات عمدة لندن، كين لينفستون، حول جذور الإرهاب العالمي ومكامنه الحقيقية، والتي تعيد التفكير والبحث في منظومة المفاهيم التي صكها الخطاب الإعلامي الجديد منذ أكثر من عقد ونصف وتفرد في صياغتها؟ تلك التصريحات التي أكد فيها بأن السياسة الإسرائيلية هي التي تشجع الإرهاب وتمنحه في كل مرة دفعة قوية، الى جانب استطلاع الرأي العام الأوروبي الذي عد إسرائيل مصدر التهديد الأول للسلم والأمن العالميين.

خلال السنوات الأربع الماضية صدرت مئات الكتب والبحوث التي شكلت أداة من الأدوات التي أوكلت إليها مهمة إعادة بناء صورة الإسلام والمسلمين والعرب في الغرب، وفي الجهة المقابلة كان مطبخ الإعلام الغربي يتفنن في استخدام التقنيات الجديدة وتوظيف المضامين المعاصرة والتاريخية وإعادة تأويل الأفكار في آلاف من القصص الإخبارية اليومية وآلاف أخرى من البرامج الوثائقية التي حاولت إعادة تفسير الإسلام وإعادة تشكيل الذهنية الغربية حول مجتمعات جنوب وشرق المتوسط وفق مقتضيات الأجندة الأميركية وبرنامج عملها لإدارة العالم. وفي وسط كل هذا الغلو نلمح اليوم بدايات لنوع من الفرز الموضوعي لا يمكن إنكاره يعيد تعريف مصادر ومكامن الخطر والعنف بالعودة الى مربع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.    

ومع هذا، لم تكشف التحولات الإسرائيلية والدولية عن إدراك عربي دقيق أو فلسطيني على المستوى الرسمي لمؤشرات هذه التحولات وأبعادها، وتحديدا ما يتصل بعلاقة السياسة بالإيديولوجيا في إسرائيل. وعلى المستوى الثقافي والإعلامي، بقينا نكرر -منذ اتفاق أوسلو- ذات المقولات التي تتحدث عن اندحار المشروع الصهيوني ونهاية عصر الاستيطان وهزيمة إسرائيل الكبرى، دون أن ننظر بعمق إلى ما تتمتع به الدولة العبرية من قدرة على التكييف الأيديولوجي المرن لخدمة مصالحها، على الرغم من أن الرسميين العرب والفلسطينيين لم يمارسوا، ولو لمرة، حقهم بمطالبة العالم بالضغط على إسرائيل، لتعلن رسمياً وبشكل واضح تخلصها من الأفكار الصهيونية العنصرية القائمة على التوسع والتمييز العنصري وثقافة الكراهية والاستعلاء على الآخرين.

لعل الدوائر الأمنية الغربية ومراكز بحوثها المعنية بالشرق الأوسط لديها يقين وقناعة، ربما غير معلنة، بأن جذور الإرهاب العالمي السائد اليوم تعود إلى الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، والى الظلم السياسي الذي لحق بشعوب العالم العربي ثم العالم الإسلامي جراء هذا الصراع، والسياسات التي اتبعت لإبقاء هذه الشعوب ضعيفة ومنهكة ومعزولة لخدمة هذا الصراع، ما يطرح سؤالا آخر في أجواء البحث عن وصفة سريعة لعلاج هذه الظاهرة على الطريقة الأميركية، والتي ظهرت في ازدحام مشاريع الإصلاح في العالمين العربي والإسلامي: ألا تحتاج إسرائيل هي الأخرى لبرامج إصلاح حقيقي؟ ألا يحتاج سلوك الدولة الإسرائيلية إلى إصلاح جذري يتفق مع الحقائق الراهنة؟ ألا يحق للعرب المطالبة بتخلي إسرائيل الرسمية عن الفكر الصهيوني وإعلانها رسميا نبذ العنصرية؟ ولماذا تراجعت الموجة الصغيرة لما سمي "ما بعد الصهيونية"؟ ألا تحتاج مؤسسات التنشئة الاجتماعية والمناهج التعليمية الإسرائيلية إلى مراجعة جذرية على غرار ما يقوم به العرب في هذا الوقت؟

العالم يتغير ببطء، ولو على مستويات لا ترتقي الى الجانب الرسمي، وإسرائيل تتكيف بسرعة وتعيد إنتاج تطرفها وعنصريتها، بينما العرب أصابهم الدوار التاريخي وهم ينظرون الى الشمس بالغربال.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاسرائيلى والمنظمات العربية (mahmoud)

    الاثنين 12 آذار / مارس 2007.
    فى رأى أن الصراع هو بين اللوبى الاسرائيلى والمنظمات العربية و الاسلامية فمن يستطيع منهم أن يستخدم كل نفوذه فى السيطرة على الرأى العام الأمريكى وتوجيهه لخدمة مصالحه يكسب هذا الصراع بكل سهولة... وبما أن اللوبى الاسرائيلى يسيطر على معظم روؤس الأموال الأمريكية يتضح لنا صعوبة موقف المنظمات العربية و الاسلامية في هذا الصراع... ومن هنا يتضح لى أنها مهمة كل فرد عربى أو مسلمأن يشارك بما يستطيع للفوز بهذا الصراع
  • »اسرائيل (bawab)

    الاثنين 12 آذار / مارس 2007.
    سئل المؤرخ البريطاني (دافيد إرفيد): متى سيعم السلام في الشرق الأوسط..؟ أجاب عندما تضعف أمريكا.. وٍسئل : متى ستضعف أمريكا..؟ أجاب :عندما تواجه نكسة اقتصادية ويلوم الأمريكان اليهود كما لامهم الألمان.. والإنهيار الإقتصادي هو ما تحاول الحكومات الأمريكية المتعاقبة تفاديه ولو بنهب ثروات العالم وتجويعه وإدخاله في دوامة من الفوضى والبناء و نشر أخطبوط العولمة وتدمير البيئة وووو..كل ذلك لتبقى عجلة الإقتصاد تدور لتضخ في جيب المدلّلةاسرائيل..
  • »هل الشمس تغطى بغربال (محمد النصرات)

    الاثنين 12 آذار / مارس 2007.
    هذه اسرائيل التي زرعت في الشرق الاوسط ما زالت تقتل وتفتك وتدمر كل شئ في المنطقة باسلحة امريكية انا اتسال هنا كما تسآل الدكتور باسم الطويسي اين اللوبي العربي في امريكاليفعل فعله كما اللوبي الصهيوني ويؤثر على صنع القرار الامريكي العالمي .
    شكرا للدكتور باسم على طرحه هذه القضايا المهمه وهذه العناوين الرائعة
  • »النفوذ في الشرق الاوسط (عبدالله الدراوشه)

    الأحد 11 آذار / مارس 2007.
    ان اسرائيل تتمتع بقوه نوويه وسياسيه واقتصاديه وتحمل الفكر الصهيوني تقتل وتدمر وتحتل وتهدد كما تشاء كونها مواليه وحليفه الى امريكيا ، فأنني اتساءل ماذا يعمل الكف امام المخرز ومتى تستقر المنطقه ويقف الشعب العربي المسلم في وجه العدو الصهيوني الذي لايرحم لاصغير ولاكبير