محمد أبو رمان

القاعدة: تحول استراتيجي جديد

تم نشره في الأحد 18 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

 لم يمض سوى وقت قصير على خطاب أيمن الظواهري (بمناسبة الذكرى الخامسة لأحداث 11 أيلول)، والذي أعلن فيه انضمام الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر للقاعدة، حتى غيّرت الجماعة اسمها لـ"قاعدة الجهاد في بلاد المغرب العربي"، وقامت بعملية نوعية خطيرة ضد الجيش الجزائري في منطقة أمنية محصّنة، ما يبعث رسالة واضحة بأننا أمام نقطة تحول استراتيجي في نشاط القاعدة الأفريقي.

لا يقتصر الأمر على الجزائر. إذ تشير المعلومات والتقارير الأمنية إلى أنّ الجماعة السلفية للدعوة والقتال – سابقاً- (القاعدة حالياً) هي حلقة الوصل بين التنظيمات "الجهادية" في دول المغرب العربي، التي كانت تعتمد سابقاً عملاً حركياً مستقلاً، مع الانتماء ايديولوجياً للقاعدة، أمّا اليوم فيبدو أنّ هنالك تنسيقاً مشتركاً، وإرهاصات لنشاط إقليمي على مستوى القارة بأسرها.

ثمة مؤشرات متعددة وأكيدة على التحولات الجديدة؛ ففي تونس تمّ الإعلان مؤخراً عن مواجهات بين قوات الأمن  ومسلّحين تابعين للقاعدة، وهي حالة استثنائية ملفتة في دولة معروفة بقبضة أمنية حديدية، وكذلك في المغرب، التي شهدت تفجيرات الدار البيضاء (مايو 2003) المروعة، إذ لا تمر أشهر قليلة إلاّ ويتم الإعلان عن القبض على خلايا للتيار "السلفي الجهادي"، بحيث تشير معلومات إلى عدد من المحكومين والمعتقلين على خلفية "الإرهاب" يصل إلى ألف شخص، والحال نفسها تنطبق على موريتانيا التي تشهد نشاطاً ملموساً للجماعات الجهادية، وقد تحوّلت الصحراء الكبرى إلى منطقة جغرافية ممتدة للتنسيق والتدريب وعمليات الجماعات الجهادية، كحادثة اختطاف أربعين سائحا في الصحراء ونقلهم إلى مالي.

يبدو واضحاً أنّ هنالك نمواً ملحوظاً للقاعدة في الشمال الأفريقي، وأنّها تتجذّر لتشكِّل تياراً، له أنصار ومؤيدون وأتباع، يحافظ على وجوده على الرغم من الضربات السابقة واللاحقة المتوقعة. كما أصبح "الجهاديون" المغاربة يقومون بنشاط أوسع ودور أكبر في التنظيم العالمي للقاعدة سواء في العراق أم أوروبا أم أفغانستان، وبرزت العديد من الأسماء المغربية (على المستوى الفكري والحركي) محسوبة على القاعدة كأبي يحيى وأبي فرج الليبيين ومحمد الفزازي المغربي وأبي مصعب عبد الودود الجزائري وغيرهم.

تتمثّل المفارقة الحقيقية أنّ القاعدة الأم قد ضعفت وتلاشت قوتها ودورها في التفكير والسيطرة، بحيث أصبحت عاجزة عن التخطيط أو القيام بأي عملية كبرى، بينما تقوى الشبكات والمجموعات المرتبطة بها وتزداد المساحة الجغرافية التي تنشط فيها تلك الجماعات وتقتحم مواقع لم تكن تحلم بها في السابق كالعراق ولبنان وفلسطين والخليج العربي وأخيراً أفريقيا.

صحيح أنّ وجود القاعدة لا يحظى بانتشار اجتماعي كبير، إذ لا تزال تقوم على مجهود مجموعات من الناشطين والمرتبطين بها، الذين لا يوجد لهم سند شعبي حقيقي في العديد من الدول، إلاّ أنّ مقارنة هذا الوجود والنشاط والفعالية بسنوات سابقة، قبل أحداث أيلول مثلاً، يؤكد أنّ هنالك قفزات حقيقية في تجذر القاعدة في الواقع العربي الحالي.

يكفي اليوم الدخول إلى شبكة الانترنت ومتابعة المنتديات والمواقع "الجهادية" المرتبطة بالقاعدة لتتبين كم هو التطور والتحول في عمل القاعدة، بحيث تجد مئات الكتب والمحاضرات والخطب والأدبيات والمقالات التي تمثل مصدراً كبيراً وحيوياً للتنشئة والتجنيد لدى هذه الشبكات، كما تدل المناقشات والحوارات والتعقيبات الموجودة على هذه المواقع على الإقبال الكبير الذي تحظى به وعلى قدرتها على نقل أفكارها وخطابها إلى شرائح من الشباب العربي المتحمس.

لا مجال للمقارنة بين حالة القاعدة اليوم وحالتها، وكذلك الجماعات الجهادية، سابقاً. فقبل عقد من الزمن (في منتصف التسعينات) كان الحصول على الأدبيات المرتبطة بالقاعدة، على قلتها أمراً في غاية الصعوبة، ولا تجد سوى أسماء قليلة معروفة كأبي محمد المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني، وبعض تراث سيد قطب وعبدالله عزام والجماعة الإسلامية المصرية، أما اليوم فأنت أمام تنظير فكري وسياسي وتأصيل معرفي هائل! وبدلاً من جماعة واحدة ناشطة في مكان محدود، ومجموعات منتشرة في بعض الدول تتعرض للاعتقال بعد عمليات بدائية ارتجالية نجد أننا أمام تنظيمات عالية التدريب محترفة تمتلك قدراً كبيراً من القدرة الأمنية والعسكرية والإعلامية، وأمام نشاط مدهش عابر للحدود والجنسيات.

الملاحظة الرئيسة في تتبع تطور القاعدة أننا أمام مرحلة جديدة قيد التشكّل، إذ بدت القاعدة للوهلة الأولى بعد ضربة أفغانستان في حالة من الضعف والتفكك لكنها تمكنت من امتصاص الصدمة وتحوّلت في عملها نحو درجة من اللامركزية الشديدة سمحت بولادة تيارات متعددة تختلف مع المركز في الكثير من المبادئ والمواقف، وقبل بها المركز اضطراراً، في حين أصبحت القاعدة أقرب إلى الفكرة والرسالة السياسية العالمية منها إلى تنظيم مركزي له قيادة موحدة. أما اليوم فيبدو أننا أمام مرحلة جديدة تتمثل بتجسّد هذه الرسالة العالمية، مرة أخرى، بتنظيمات التقطتها، وتبنتها، وتتمدد لتصبح شبكات إقليمية (قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، في المغرب العربي، بلاد الشام، أفريقيا، مصر: بعد تحول الجماعة الإسلامية).

الشروط التاريخية والموضوعية هي التي تنتج القاعدة في كل مكان: احتلال خارجي، وفراغ سياسي ناشئ عن ضعف النظام الرسمي العربي وافتقاده للشرعية السياسية في نظر الشارع، وغياب الحياة السياسية القادرة على هضم التناقضات والصراعات الاجتماعية والسياسية، يتوازى ذلك مع شعور بالإهانة والإحباط والغضب في مجتمعات فتية تزيد فيها نسبة الشباب على النصف في ظروف من الفقر والبطالة والتضخم وانعدام الحرية والعدالة. فواقع كهذا لا يمكن أن ينتج عنه سوى حركة كالقاعدة وأخواتها، فهي أخطر تعبير عن الأزمة الخانقة التي تعصف بالواقع العربي الراهن.

التعليق