إحراج وإساءة

تم نشره في الثلاثاء 13 شباط / فبراير 2007. 02:00 صباحاً

كيان الاحتلال الصهيوني يؤكد دائما انه نموذج مكبر لسلوك التجمعات اليهودية الصهيونية التي رفضتها اوروبا، فجعلتها تعيش في تجمعات معزولة منبوذة هي "الجيتو". وهذا الجيتو جعل مناطق وجود هذه الكيانات الصهيونية متميزة بالسلوك غير الانساني، وحتى الممارسات الحياتية اليومية.

الحفريات الاخيرة، والعدوان الذي تم على المقدسات في القدس، كانا جزءا من سلسلة سياسات اسرائيلية تسبب الحرج للحكومة الاردنية. فهذه المقدسات، كما نصت معاهدة السلام، تحت الولاية الاردنية. الامر الذي تم بموافقة الطرف الفلسطيني الرسمي، لأن تركها من دون ولاية اردنية او فلسطينية كان يعني وضعها تحت الاشراف الصهيوني، وادارة وزارة الاديان الصهيونية.

وحين تقوم اسرائيل بالاعتداء على المسجد الاقصى، فإنها تسبب الاحراج للاردن. لكن لم تقف الممارسات الصهيونية عند هذا الحد، بل ان اساءات اخرى صدرت عبر تسريبات اعلامية حاولت توريط الاردن، والقول ان هذه الاعتداءات تمت بالتنسيق مع الاردن! اسرائيل تفعل هذا وهي تعلم ان الخبر السيئ -حتى لو كان كاذبا كما هي الحال هنا- ينتشر بسرعة، والنفي مهما كان قويا اقل تأثيرا من الخبر.

اساءتان كبيرتان وجهتهما الحكومة الصهيونية للاردن، عبر تجاوزها لنص وروح معاهدة السلام، وعبر العمل على زج اسم الاردن في حفريات عدوانية؛ فهل من المعقول ان يوافق الاردن، او اي اردني، على حفريات تسيء للمسجد الاقصى، فإن لم يكن رفض ذلك انسجاما مع العروبة والاسلام، فهي لا تمثل مصلحة سياسية؟!

والحكومة الصهيونية سببت حرجا كبيرا ايضا للشقيقة مصر، التي ترتبط معها بمعاهدة سلام. فقيمة المعاهدات للاطراف التي تؤمن بها ليست في توقيع اتفاقات لمكافحة الذباب او الزراعة او وجود سفارات، بل في انها -كما يعتقد معسكر السلام- ارضية لالغاء صور العدوان، واعادة الحقوق الى اهلها. لكن ما تفعله اسرائيل هو انها تتعامل بعقلية التاجر المرابي، او على نمط شخصية شايلوك، بطل رواية شكسبير الشهيرة "تاجر البندقية". وهكذا، فهي ليست معنية بمصالح الاطراف الاخرى، فنشوة التطرف والعدوان التي جعلتها تعتدي على المسجد الاقصى اهم لديها من اي حرج سببته للاردن ومصر، او اي اساءة قامت بتوجيهها لدول لها معها علاقات ومعاهدات.

المعاهدات لا تصنع اصدقاء ولا تنهي العداء، وبخاصة مع طرف مثل اسرائيل؛ ولهذا، فهي اقرب الى صفقات سياسية او "بزنس" على مستوى الدول. فاسرائيل لم تتوقف عن العبث بأمن مصر، عبر الجواسيس وشبكات المخدرات وغيرها من اشكال الاساءة التي وثقتها كتب ودراسات. والسياسة الاسرائيلية تجعل من خطر الكيان الصهيوني في حالة السلام اكبر منه في حالة الحرب، وبخاصة انه لم يعد هناك حروب.

على اصحاب القرار في الاردن ان يرفعوا صوتهم عاليا وواضحا في وجه الحكومة الاسرائيلية التي تمثل سياساتها احراجا واساءة للاردن، وان يفهموا اسرائيل ان المعاهدة ليست قيدا او قدرا، وان تصل الرسالة واضحة بأن ما تفعله اسرائيل ليس شأنا داخليا خاصا بها، بل هو عبث بأمن بلادنا ومنطقتنا، لا سيما اذا كانت الاساءات والعدوان على شاكلة ما جرى في الاقصى مؤخرا.

في مواجهة السياسة الاسرائيلية ليس هناك اعتدال وتطرف، لأن هذا الكيان ليس له اصدقاء، بل له مصالح يسعى إلى تحقيقها حتى ولو على حساب اي طرف. والسلام والمعاهدات بالنسبة لاسرائيل وسيلة وليست غاية. لكن ما دامت تتعامل بهذا المنطق، فيفترض بالطرف الاخر ان يعاملها بذات المنطق والمنطلقات، ولا يجوز تحت مبرر الديبلوماسية الهادئة ان نترك اسرائيل تمارس في العلن، وبكل الوسائل، الاساءة للاردن، وتتسبب في احراجه، فيما نمارس شبه صمت.

والتنديد القوي من الاردن بالاعتداءات الصهيونية الاخيرة على المسجد الاقصى ليس الرد الوحيد على الاذى الذي لحق بالاردن؛ إذ حتى لو لم تحرجنا اسرائيل، يظل التنديد ضروريا، فكيف اذا كانت الامور كما شاهدناها جميعا؟!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم صدق الله العظيم (ام محمد)

    الثلاثاء 13 شباط / فبراير 2007.
    اسرائيل لا تعرف من المعاهدات الا ما ينفع مصلحتها ولا يهمها الطرف الاخر ليتنا نتعظ!
  • »عدو جدك ما بودك.( أي لا يكن لك الحب والموده). (خالد مصطفى قناه)

    الثلاثاء 13 شباط / فبراير 2007.
    أستاذ سميح أكتفي بعنوان التعليق كرد وتعليق كامل لأن كثر الحكي بهاالموضوع بيقلل الهيبه، ولكم التحيه والموده، ودمتم.