قوة روسيا الهشة

تم نشره في الثلاثاء 13 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

أرسلت روسيا وفداً عالي المستوى إلى المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد في دافوس هذا العام. فبعد التمثيل القوي لروسيا في هذا المنتدى في عصر بوريس يلتسين، انحدر مستوى المشاركين من روسيا منذ تولى فلاديمير بوتن الرئاسة. إلا أن روسيا في هذا العام حرصت على إرسال فريق "ممتاز"، فضلاً عن إقامة جلسة شهدت حضوراً كبيراً، وركز الحاضرون فيها على "السياسة الخارجية الروسية التي أصبحت أكثر اعتماداً على العضلات".

مع ارتفاع أسعار الطاقة أصبح العديد من المسؤولين الروس يستمتعون بقوتهم المتجددة. ولقد طُلِب مني أن أعلق على العلاقات الروسية الأميركية أثناء تناول العشاء مع كبار المسؤولين في الحكومة الروسية وشركة جازبروم، شركة الطاقة العملاقة. فقلت إن الأوهام التي تملكت الناس في أميركا وأوروبا بشأن الديمقراطية في روسيا أثناء تسعينيات القرن العشرين كانت أكثر وأعظم مما ينبغي، وأن هؤلاء الناس يمرون الآن بمرحلة التحرر من الوهم. وهناك مخاوف بشأن مستقبل روسيا، وكيف تعتزم استخدام قوتها الجديدة، وكيف ينبغي للغرب أن يستجيب.

هناك من يرى أن السياسة الروسية تعمل كبندول الساعة. فقد تأرجح بندول السياسة الروسية أبعد مما ينبغي في اتجاه الفوضى تحت حكم يلتسين، ثم عاد الآن ليتأرجح أبعد مما ينبغي في اتجاه النظام وسيطرة الدولة تحت حكم بوتن. إلا أن بندول السياسة الروسية لم يقطع كل المسافة عائداً إلى الستالينية؛ أو ربما كان تعبير "القيصرية" يشكل مجازاً تاريخياً أكثر دقة. والآن يتساءل المراقبون ما إذا كان بندول السياسة الروسية قد يصل في النهاية إلى توازن جديد.

تتلخص النظرة المتفائلة في أن حقوق الملكية أصبحت أكثر رسوخاً من أي وقت مضى، وأن مستقبل روسيا سوف يعتمد على مدى السرعة التي يمكن بها خلق طبقة متوسطة جديدة ذات مساهمة فعّالة في حكومة قائمة على القانون. إلا أن مراقبين آخرين ليسوا على هذا القدر من اليقين. ففي بعض الأحيان قد يستمر البندول في التأرجح ما لم يحدث بعض الاحتكاك لإبطاء ذلك التأرجح، وفي بعض الأحيان قد يعلق البندول عند مرحلة ما. ويرى المراقبون المتشائمون أن الحريات في روسيا سوف تستمر في الانحدار بدلاً من الوصول إلى توازن ليبرالي.

تُـرى كيف ينبغي أن تكون استجابة دول الغرب إزاء هذه الحالة من عدم اليقين فيما يتصل بمستقبل الديمقراطية الليبرالية في روسيا؟ إنه لسؤال عصيب على نحو خاص بالنسبة لإدارة بوش التي أصبحت في حيرة من أمرها، بين مصادقة الرئيس بوش المبكرة على بوتن وبين أجندته الرامية إلى دعم الديمقراطية.

كانت وزيرة خارجية الولايات المتحدة كونداليزا رايس قد أعلنت في العام 2005 أن "الشخصية الجوهرية للأنظمة تشكل اليوم أهمية أعظم من التوزيع الدولي للقوة"، كما نادى السناتور جون ماكين، أحد مرشحي الرئاسة الأميركية، باستبعاد روسيا من مجموعة الدول الثماني المتقدمة. إلا أن الغرب لديه، بالإضافة إلى أجندته الديمقراطية، أجندة أخرى عملية تستند إلى مصالح واقعية للغاية.

إن الغرب يحتاج إلى التعاون الروسي في التعامل مع قضايا مثل الانتشار النووي في إيران وكوريا الشمالية، والسيطرة على الأسلحة والمواد النووية، ومكافحة الموجة الحالية من الإرهاب الإسلامي المتطرف، وإنتاج الطاقة، والأمن. فضلاً عن ذلك فإن روسيا تحتوي على العديد من المواهب البشرية، وتمتلك التقنيات والموارد القادرة على المساعدة في مواجهة التحديات الجديدة مثل تغير المناخ أو انتشار الأمراض الوبائية.

قد لا يرى المراقبون قدراً كبيراً من التناقض بين الأجندتين للوهلة الأولى. وإذا ما أدار الغرب ظهره إلى روسيا، فإن مثل هذه العزلة من شأنها أن تعزز من كراهية الأجانب وأن تشجع الميول الداعمة لسيطرة الحكومة في الثقافة السياسية الروسية، وأن تزيد من صعوبة القضية الليبرالية.

إن التوجه الأمثل يتلخص في النظر إلى الأمد البعيد، واستخدام القوة الناعمة في الجذب، وتوسيع نطاق التبادل والاتصالات مع الجيل الجديد في روسيا، ودعم مساهمة روسيا في منظمة التجارة العالمية والمؤسسات الأخرى ذات التوجهات القائمة على السوق، والتعامل مع نقاط الضعف والعجز بانتقادات نوعية محددة بدلاً من إلقاء الخطب الرنانة وفرض العزلة على روسيا. وفي كل الأحوال، سوف تظل مصادر التغير السياسي في روسيا متأصلة في المجتمع الروسي ذاته، ومن المحتم أن يظل النفوذ الغربي محدوداً في هذا السياق.

إلا أن تشجيع الارتباط ونبذ العزلة لا ينبغي أن يكون سبباً في منع الانتقادات الودية. في دافوس كنت قد عرضت أربعة أسباب تجعل روسيا غير قادرة على البقاء كقوة عظمى بحلول العام 2020، ما لم تبادر إلى تغيير سلوكها وسياساتها الحالية.

السبب الأول يتلخص في الصعوبة الشديدة التي تواجهها روسيا في تنويع مصادرها الاقتصادية بالسرعة الكافية. ومن المعروف أن الثروة النفطية تشكل نعمة ونقمة في ذات الوقت. لقد أصبحت روسيا في شهر يناير/كانون الثاني تحتل المركز العاشر بين الدول ذات الاقتصاد الأضخم على مستوى العالم، وذلك بفضل أسعار الطاقة التي سجلت ارتفاعات قياسية، وبفضل صادرات روسيا من المواد الخام. إلا أن صادرات روسيا من الطاقة تمول ما يقرب من 30% من الميزانية الحكومية التي تعتمد على توقعات بثبات أسعار النفط عند 61 دولاراً أميركياً للبرميل. وتتألف الصادرات الصناعية الروسية في الأساس من الأسلحة والمعدات الحربية، حيث تشكل صناعة الطائرات المتطورة ما يزيد على نصف المبيعات. وهذا كله لا يكفي لتأمين الاقتصاد الروسي.

من بين المشاكل المرتبطة بما سبق، أن روسيا تفتقر إلى حكم القانون الذي من شأنه أن يعمل على حماية وتشجيع رجال الأعمال. وهذه الفئة من الناس هي المطلوبة على وجه التحديد للمساعدة في قيام طبقة متوسطة نشطة، والتي تشكل الأساس الراسخ لاستقرار اقتصاد السوق الديمقراطي. إلا أن الفساد متفشٍ إلى الحد الذي لا يسمح بتحقيق هذه الغاية.

فضلاً عن ذلك فإن الأزمة الديموغرافية التي تعيشها روسيا ما زالت مستمرة، بفضل مرافق الصحة العامة الهزيلة والاستثمارات غير الكافية في شبكة الأمان الاجتماعي. ويتوقع أغلب خبراء الديموغرافيا السكانية أن يتقلص تعداد سكان روسيا بصورة ملحوظة في غضون العقود القادمة. ذلك أن معدلات الوفيات بين الذكور البالغين أعلى كثيراً من مثيلاتها في بقية بلدان أوروبا، والوضع لا يتجه نحو التحسن.

أخيراً، وعلى الرغم من أن المرء قد يتفهم الإغراءات التي قد تحرك قوة عظمى سابقة فتدفعها إلى انتهاز كل فرصة للعودة إلى استعراض العضلات في السياسة الخارجية، إلا أن مشاكسات روسيا في مجال الطاقة تعمل على تدمير الثقة وتحجيم قوة روسيا الناعمة في البلدان الأخرى. فقد أصبحت الدول المجاورة لروسيا ودول أوروبا الغربية أكثر تخوفاً من الاعتماد على روسيا.

يبدو أن أغلب الحاضرين من المسؤولين الروس في ذلك العشاء في إطار منتدى دافوس قد تجاهلوا هذه الانتقادات، إلا أنه كان من المثير للاهتمام أن نستمع إلى اعتراف أحد كبار المسؤولين الروس بأن الإصلاح قد يتقدم بصورة أسرع إذا ما هبطت أسعار النفط على نحو أو آخر، وأن نستمع إلى مسؤول آخر يوافق على ضرورة تقبل الانتقادات ما دامت تعرض بروح ودية. قد لا تكون عودة كبار المسؤولين الروس إلى الظهور في منتدى دافوس بغرض الدفاع عن أنفسهم ذات دلالة كبيرة، إلا أنها تشكل علامة صحية بكل تأكيد.

جوزيف س. ناي أستاذ بجامعة هارفارد ومؤلف كتاب "القوة الناعمة: السبيل إلى النجاح في عالم السياسة الدولية".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق