منار الرشواني

حرية الإعلام ووطنيته

تم نشره في الثلاثاء 13 شباط / فبراير 2007. 02:00 صباحاً

طواعية، قرر إريك فير (Eric Fair) الانضمام إلى الطابور الخامس الذي يحاول النيل من هيبة الولايات المتحدة وسمعتها في العالم، وقبل ذلك ضرب معنويات الجنود الأميركيين الغارقين أصلاً في المستنقع العراقي!

فبعد قرابة السنتين على عودته من العراق، خرج "فير" عن صمته، مغرداً خارج سرب زملائه المحققين الأميركيين في العراق، ليتحدث عن ماض مشين (ربما مايزال هو الحاضر بالنسبة لآخرين)، كان فيه مشاركاً في تعذيب عراقيين متهمين بالمشاركة في "التمرد" ضد قوات الاحتلال الأميركي.

لكن إذا كان "فير" قد ارتضى أن يقايض وطنه، سمعةً وأرواح جنود وربما مدنيين أبرياء، لقاء مجرد أمل في الراحة -يجلبها له اعترافه- من كوابيس دائمة أثناء نومه، يظهر له في أحدها "رجل بلا وجه يحدق بي من زاوية الغرفة، يستجدي المساعدة... (ثم) يبدأ بالبكاء..."؛ إذا كان ذلك، فلماذا تقبل صحيفة بحجم "واشنطن بوست" وسمعتها ومهنيتها، نشر مقال الاعتراف-الاعتذار؟

إحراجاً لإدارة الرئيس بوش، أو حتى انتقاماً منها؟ ربما. تسريعاً في سحب الجنود الأميركيين من العراق؟ وارد. لكن في قائمة الأسباب الكثيرة المنطقية والممكنة، تظل النتيجة الأهم، عناها فير وواشنطن بوست أم لم يعنياها، هي الدفاع عن الولايات المتحدة، مُثلاً ومبادئ وأمة! وهذه النتيجة حتمية التحقق لسبب واحد، هو حرية الرأي والتعبير، وضمنها حرية الإعلام.

فحرية التعبير التي تنقلها وسائل إعلام مهنية تسمح بشكل جلي لا يمسه الشك في خلق تمايز، مهما كانت مساحته، بين الموقف الرسمي وموقف الشعب أو الأمة، وبالتالي درء كارثة تعميم صفات العنصرية أو الأصولية الدينية أو غيرهما على الشعب ككل، بل وجعل الخطايا معلقة في أعناق أصحابها دون سواهم، لا تطالب أجيال قادمة بالتكفير عنها.

وفي ظل شعب حر وإعلام حر، فإن هكذا خدمة للوطن لا تحتاج إلى أمثال الصحافي سيمور هيرش الذي كشف عن فظائع سجن أبو غريب، ولا إلى عالم بحجم نعوم تشومسكي الذي يتهافت أعداء أميركا على اقتناء كتبه السياسية وليس اللغوية، بل يمكن أن يسدي هذه الخدمة أشخاص مغمورون مجهولون من أمثال إريك فير، الذي ربما تكون أهم أعماله، إن لم يكن العمل الوحيد المهم، هو إقراره بالمشاركة في التحقيق (تعذيب) مع مواطنين عراقيين.

وهكذا، فالوجه الآخر لكل فضيحة أميركية يكشف عنها الإعلام الأميركي، رسالة إلى العالم أجمع: لسنا جميعنا جورج بوش، لسنا جميعا صهاينة مسيحيين، لسنا جميعا أعضاء في جماعة "كو كلوكس كلان".

قطعاً للشك باليقين، وقطعاً للطريق على مؤولّي النصوص، فالقضية ليست دفاعاً عن أميركا وشعبها، بل هي دفاع عن حرية الرأي والتعبير، وحرية الإعلام، والحق في الاختلاف، لتكون المحصلة النهاية دفاعاً عن كل حقوقنا الأخرى، ومنها حقنا في الحياة بكرامة. سيما وأننا جميعاً موصومون منذ أمد طويل بتهمة الإرهاب والتعصب والانغلاق وغيرها مما يسيء إلينا، ويسيء قبل ذلك إلى ديننا المتسامح في حقيقته.

ففي دول لا تقيم لحرية التعبير وزناً، سيظل العالم ينظر إلى كل ما يكتب أو يذاع في وسائل الإعلام هناك، وبغض النظر عن موضوعيته أو صدقيته، باعتبار أنه للتصدير الخارجي، وليس تعبيراً عن تمايز حقيقي بشأن موقف ما، لا سيما بشأن الإرهاب، والمواطنة، والديمقراطية، والمرأة، وحقوق الإنسان.

يبقى التأكيد على بدهية تمس الداخل والخارج على السواء، وتتمثل في أن انعدام حرية الرأي والتعبير ووسائلها هو وحده الذي يجعل حتى من الخرافات، أياً كان مجالها، وأياً كان مصدرها، قابلة للتصديق؛ وهو الذي يجعل من ساع فعلي إلى التشهير والإساءة بطلاً مقداماً وحتى شهيداً، فيما يغدو الوطني جباناً يختلق الإنجازات، أو يتوهمها في أحسن الأحوال!

طبعاً، قمع حرية الرأي والتعبير ليس احتكارا حكومياً عربياً، إذ لعل سلطوية المجتمع أشد قسوة وأمضى سناناً، والشواهد كثيرة!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »طرح موفق (زياد)

    الثلاثاء 13 شباط / فبراير 2007.
    شكرا
    من احكم ما رايت.. كطرح لأهميه اخراج الزوايا المختلفه لآراء الجمهور
  • »ممتاز (سناء المصري)

    الثلاثاء 13 شباط / فبراير 2007.
    كل الاحترام يا اخ منار واشكرك على هذا المقال القييم والسرد السلس..