جميل النمري

المواطنة الصالحة

تم نشره في الجمعة 9 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

لا أحبّ البلاغة الانشائية حول المواطنة والانتماء، لكني آخذ على محمل الجدّ كثيرا كل ما يتصل بالسلوكيات التي تعكس معاني المواطنة الصالحة. تصرف الفرد مع كل ما يتصل بالشأن العام يقول بدقة كل شيء عن درجة تقدم الدول والمجتمعات، أو تخلفها.

لتحسين سلوك الفرد لا تكفي المواعظ، اذ يجب على الدولة ان تسهر على "فرض" السلوك الصحيح، ابتداء بتعقب المتنزهين الذين يتركون المهملات على الارض وتغريمهم (هل هناك غرامة قانونية على ذلك؟)، أو يلقون شيئا من نوافذ السيارات على الطرق.

وقد قرأنا أول من أمس ان النظام الجديد الذي وضعته أمانة عمّان للرادارات المحمولة على السيارات، والتي تخالف ايضا إلقاء الفضلات أو الورق من السيارات، حقق 1400 مخالفة خلال شهر. نحيي هذا العمل، وان كنت ارغب أن يتم تسيير دوريات توقف على الفور من يلقي ورقة من نافذة السيّارة.

مع ذلك، قرأت تعليقا في احدى الصحف يستهجن ما فعلته الأمانة، ويستغرب اهتمامها بمخالفة مواطن على "بضع وريقات قد تكون تسربت من السيارة"! بينما عليها ان تهتم بنظافة عمّان، حيث تتراكم النفايات في مناطق شعبية. وأعتقد أن من يرمي "وريقات" من السيارة هو نفسه من لا يبالي بإلقاء النفايات خارج البيت او المحل كيفما اتفق، وواجب الأمانة في تحسين خدمات النظافة لا يتعارض، بل يتكامل، مع واجبها في فرض السلوك القويم على الأفراد الذين لا يحترمون مكان العيش المشترك، وهو كل الأرض التي نعيش عليها، أو بعبارة رومانسية "الوطن الذي نتفيأ".

وسوف يسارع أحدهم إلى القول إن الوطن يجب ان يعطي حتى يأخذ، والدولة يجب ان تخدم المواطنين الذين يدفعون الضرائب حتى يشعر المواطن بالواجب وبالانتماء. ونقول مرّة أخرى إننا نريد هذا وذاك، ولكن لا نقبل التذرع بتقصير الدولة لتبرير كل سلوك متخلف.

نؤيد الموظف في شكواه من راتبه الضئيل، لكن على الموظف ان يسأل نفسه في نهاية الدوام ما اذا كان قد عمل بما يحلّل راتبه حقا. وقد حصلنا قبل يومين على مفاجأة جميلة حقا، حين قام جلالة الملك بتكريم موظفين عاديين بأوسمة من دون قضيّة خاصّة لأي منهم، بل فقط بسبب سلوكهم الوظيفي المتسم بالنزاهة والولاء الحقيقي والعميق للعمل الذي يقومون به. وهذه الأوسمة لا تخصّ هؤلاء الأشخاص بعينهم، فهم عيّنة تم تحميلها رسالة الى الجميع. والأجمل أن الأمر لم يقتصر على موظفي الدولة؛ فمثلا، تم تكريم صاحب كشك كتب، فقط لأنه نموذج رائع على الانتماء والحبّ العميق والخلاّق للعمل الذي يقوم به. قد لا يكون أبو علي معروفا لأغلبية المواطنين، لكنه أسطورة عند المثقفين وقارئي الكتب، مهمته التي يعيش من أجلها منذ عقود هي توفير الكتب الجيدة أو غير المتوفرة، وهو يستطيع أن ينصحك بما يستحق الاطّلاع عليه، اضافة الى توفير ما تطلبه. وبالتأكيد، لم يخطر على باله يوما ان يحصل على وسام ملكي.

وكان مشهدا مؤثرا ان ترى الى جانب شخصيات معروفة مواطنين عاديين، يعملون في مواقع ووظائف عادية. ولا بدّ ان جلالة الملك كان من اسعد الناس وهو يقلد هؤلاء الناس الأوسمة. والحق أن من خطرت له هذه المبادرة يستحق ايضا وساما.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التغيير (لبشار الجنيدي)

    الجمعة 9 شباط / فبراير 2007.
    أعتقد أنه يجب أن يكون الأسلوب المتبع هو فرض الغراماتـ علماً أني لست من أنصار الفرض ولكن في هذه الحالة الفرض هو أفضل طريقة حيث أن التوعية فقط لا تكفي لتغيير عقلية "أنا ومن بعدي الطوفان" !!!
  • »الكويت والإمارات نموذجا (عمار علي القطامين)

    الجمعة 9 شباط / فبراير 2007.
    في الكويت كانت منتشرة عادة الطخ في الأعراس، ولكن تم القضاء عليها بالعقوبات الصارمة.
    كما كانت عادة إلقاء النفايات في الشوارع عادية جدا ولا تثير حتى الإستهجان، مثل الأردن حاليا!! ولكن تم فرض غرامة شديدة قدرها 50 دينار كويتي على كل من يرمي القمامة من السيارة، وكان يتم تصويرهم ونشر صورهم في الجرائد الرسمية للتشهير بهم! وهكذا تم التخلص من هذه العادة.
    في الإمارات حاليا، لو تشاهدوا قناة سما دبي، يتم تصوير السيارات المخالفة للإشارة المرورية والتشهير بها في نشرة الأخبار الرئيسية، وفضح السائق وسيارته!!.
    إن لم تكن هناك عقوبات رادعة وقاسية على الجميع، فإن الكلام المجاني لا ينعكس على الواقع أبدا.
    أما بخصوص المواطنة الصالحة، فهي تنطبق على قلة قليلة من الناس لا يقاس عليها. ولا يعتمد عليها خلق أجواء صحية خالية من النفايات!
  • »قناعات.. (أحمد رسمي العلي)

    الجمعة 9 شباط / فبراير 2007.
    استاذي العزيز جميل النمري، لربما تستطيع إجبار الفرس على الحضور إلى النهر، و لكنك لن تستطيع إجبارها على الشرب..
    إذاً، فالأولى أن يبدأ التغيير بتغيير قناعة الناس، قناعتي و قناعتك، وليت الأمر ببساطة وريقات على شارع يحملها الهواء بعيداً، و لكن هناك ما هو أهم و أبلى، و أترك البقية لديك لتتأمل فيها، على أمل...!
  • »النظافه التزام خلقي بالمواطنه الصحيحه ورمي الفضلات من شباك السياره خطر (خالد مصطفى قناه .)

    الجمعة 9 شباط / فبراير 2007.
    أستاذ جميل ،أقدر اثارتك لهذا الموضوع الحيوي بتغريم المفسدين والمستهترين من الناس، في عهد ستالين كانت الحكومه الشيوعيه الجديده تعلق مشنقة لمن يرمي بعقب سيجاره على أرض الشارع، وقد يقول قائل أننا لا نعيش بعهد ستالين ولكن مخالفات التلوث سياسه متبعه في كل العالم المتمدن،اذ أن مسؤوليةالحفاظ على النظافه والسلامه العامه لا تقع على الدوله فقط بل هي مسؤوليه مشتركه بين الدوله والمواطنين أيضا، كنت أقود سيارتي على الأتوستراد الدولي وكانت أمامي شاحنه محمله بصفائح معدنيه من شرائح الصاج الرقيقه، وشاهدت عن بعد أن الصناديق المحمله بالصاج ليست سليمه والهواء سيذروها بين الفينة والأخرى، فأبقيت مسافه أمينه بيني وبين الشاحنه وصدق حدسي فتطايرت الصفائح بالهواء الشديد وعلى الرغم من المسافه الأمينه التي حافظت عليها خلف تلك الشاحنه الا أنني وبدون مبالغه واجهت الموت في حينهااذارتطمت احدى الصفائح المتطايره بمقدمة سيارتي الشيفي نوفا آنذاك وقصت جابب مصباح الاناره الأمامي، فحمدت الله على تلك النتيجه التي عالجتها شركة التأمين فورا. فتصوروا لو ألقى أحد من شباك سياره مسرعه بشيء ثقيل وارتطم بسياره أخرى فماذا سيحصل؟ ودمتم.