د.باسم الطويسي

قلق النخب الإسرائيلية أم ترفها؟

تم نشره في السبت 3 شباط / فبراير 2007. 02:00 صباحاً

تتعدد مظاهر قلق النخبة السياسية الإسرائيلية ومستوياته، كما تتعدد مناهج تفسير هذا القلق الذي يذهب عميقاً الى ما قبل المواجهة مع المقاومة اللبنانية في تموز الماضي. ويبرز هذا القلق، وفق القراءة الثانية، في مراجعة أساليب تلك النخبة وتعبيراتها السياسية وسلوكها المدني، وكيف ينعكس كل ذلك في محاولاتها الدائمة للتكيف مع مظاهر التغيير والانقلابات الاستراتيجية التي يشهدها الشرق الأوسط، الأمر الذي يجعل مراجعة هذه الحالة يحتاج الى منظورين: الأول، يراقب حقيقة الأزمة السياسية، ويطرح سؤالا حول مدى وجود أزمة نخبة سياسية، واختبار ذلك في مدى جدية حالات التفتت التي تشهدها الكيانات السياسية الحزبية والأيديولوجية، والفضائح والفساد السياسي والأخلاقي والسلوكي، والأخطاء في تقدير المواقف السياسية والاستراتيجية. أما المنظور الثاني، فيتطلب النظر الى هذه المظاهر في سياق الرغبة في التكيف الايجابي مع حالة فقدان الوزن والفراغ الذي تحياه المنطقة.

المظاهر التي تطفو على السطح، وتأخذ شكل أزمات متتابعة، قد لا تعبر عن حقيقة المواقف؛ فالإسرائيليون اعتادوا، كأي عقلانية سياسية في التاريخ، التصرف حسب ظروفهم، لكن لا أحد من خارج الدوائر الضيقة يستطيع تحديد حقيقة تلك الظروف.

وفي الأسابيع الأخيرة تصاعدت حدة التعبيرات السياسية والقانونية التي تشير الى طرق إدارة وتفريغ القلق السياسي، ومنها تداعيات الإخفاقات والأخطاء التي ارتكبت من وجهة النظر الإسرائيلية على الجبهة اللبنانية، والتي وصلت حد إقالة رئيس هيئة أركان الجيش دان حالوتس واستبداله بالجنرال "غابي اشكينازي"، احد قادة عملية عنتيبي الشهيرة في أوغندا العام 1976، وصولاً الى خضوع قادة عسكريين وسياسيين للتحقيق أو الشهادة أمام لجان خاصة بأخطاء الحرب وتداعياتها؛ وآخرهم رئيس الوزراء ايهود اولمرت. بينما تزداد الاتهامات والانتقادات للطريقة التي تتعامل بها إسرائيل مع التهديد النووي الإيراني، واتهامات أخرى مفادها أن ثمة ظروفاً وفرصاً قد لا تتكرر، تتوالى في المحيط الإقليمي ولا تستثمرها النخب الحاكمة بكفاءة عالية؛ في إشارات الى رغبة أميركية إلى كف يد إسرائيل عن التدخل المباشر في بعض الملفات كي لا تفسد الطبيخ قبل نضوجه.

قلق النخبة السياسية الإسرائيلية يأخذ مناحي أخرى، أبرزها ما تتحدث عنه بعض الخطابات من ذهنية التآمر داخل النخب، ومنها ما تردد على خلفية وقف الرئيس الإسرائيلي موشيه كاتساف عن العمل بعد فضيحة التحرش الجنسي الشهيرة. ويبدو ان مراهقة السياسيين الإسرائيليين لا نهاية لها وشفافة للغاية؛ ففي أجواء فضيحة الرئيس، دانت احدى محاكم تل أبيب الأسبوع الماضي وزير العدل السابق حاييم رامون -الذي استقال من منصبه أثناء الحرب على لبنان- بتهمة التحرش الجنسي بمجندة إسرائيلية.

وفي حالتي كاتساف ورامون، ومع اختلافات مضامين الادعاء والدفاع في كل حالة، هناك أحمال سياسية تعبر عن صراعات وقلق داخل النخب الإسرائيلية، وقس على ذلك ملفات فساد مالي وإداري أخرى. وربما يرى آخرون في كل ما يجري مفارقة لترف سياسي، يخفي خلفه لحظة استرخاء! فكل عواصف البحار الهادرة حول هذه النخب تصب في النهاية في مصلحة هذا الكيان.

لا شك أن النخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية باتت تغادر زمن القيادات الكبيرة والتاريخية. فما دام شارون في صمته الأبدي، فان الساحة خلت أمام العجوز المحنك، صاحب الحظ المتعثر، شمعون بيرس، والمنتظر أن يختم حياته السياسية برئاسة الدولة. فقد توصل الأخير إلى خلاصة المشهد المحيط، وأسرار بعض مظاهر الاسترخاء الذي تعبر عنه سلوكيات النخب الإسرائيلية على وقع الاقتتال الداخلي الفلسطيني، وحالة الفوضى في المحيط الإقليمي، وعبر عن ذلك في مؤتمر هرتسيليا قبل أيام، حينما عدّد الهدايا التي قدمها كل من الرئيس الإيراني احمدي نجاد، وأمين عام حزب الله اللبناني لإسرائيل. فالأول، حسب بيرس أعاد إحياء التضامن العالمي مع إسرائيل عبر تصريحاته الشهيرة، والثاني كشف للعالم قوة إسرائيل الإنسانية في الطريقة التي تدير فيها ملف أسراها.

وتنال حالة قلق النخبة أو استرخائها أزمات الأحزاب الإسرائيلية الكبرى، والانشقاقات داخل تحالفات الكنيست، ثم أزمات الائتلاف الحكومي ومدى الرهان على صيغة الحزب القيادي (كاديميا) في الاستمرار، كما تعكسها سلوك الحكومة التي تحمل رقم 31 في تاريخ الدولة الإسرائيلية، بعد أن انضم إليها حزب "اسرائيل بيتنا" بزعامة ليبرمان، واحتل هذا اليميني موقع وزير الشؤون الاستراتيجية.

وبعد مرور عشرة أشهر من عمر الحكومة الحالية، فمايزال الشعور السائد أن هذه الحكومة من اضعف الحكومات في تاريخ إسرائيل. ولم تختبر الأحداث مدى جدية الاستنتاج الذي تردد صبيحة الانتخابات الماضية، ومفاده أن إسرائيل تشهد نزوحاً سياسياً واستراتيجياً نحو الوسط، كما عُبر عنه في صيغة حزب كاديميا، وفي برنامجه السياسي ورموزه، وعبر خطته للانفصال أحادي الجانب عن الفلسطينيين. وعلى الجانب الآخر، تستمر أزمة اليسار الإسرائيلي الممتدة منذ منتصف التسعينات. فالمياه الإسرائيلية تبدو آسنة من الخارج ولا تتحرك، بينما يتراجع الأداء الاقتصادي وفق أكثر من مؤشر، وان ابسط السيناريوهات يدل على أن هذه الحكومة مرشحة من زاوية للحاق بحكومات سبقتها لم تنه مدتها القانونية، بينما يشير هذا الأداء من زاوية خبيرة أخرى الى قدرة هذا الكيان ونخبه السياسية على توظيف حتى الاسترخاء السياسي لمصالح غير منظورة.

ونعود للسؤال الذي طرح في البداية: هل ما تشهده النخب الاسرائيلية ترف سياسي، أم قلق استراتيجي؟ تبدو الإجابة واضحة فيما تشهده ساحات غزة وشوارعها هذه الأيام.

[email protected]

التعليق