إبراهيم غرايبة

الماء والرموز المقدسة

تم نشره في الجمعة 2 شباط / فبراير 2007. 02:00 صباحاً

هل يعني قوله تعالى "وجعلنا من الماء كل شيء حي" أن أصل كائن حي من الماء، أم أن الماء إذا حل في الأشياء جعلها حية؟ ومعلوم أن الكون قبل تشكله على هيئته الحالية ربما قبل خمسة عشر ألف مليون عام كان ماء وسديما "وكان عرشه على الماء"، ويشكل الماء جزءا من الممارسات الدينية، الوضوء والاغتسال والطهارة في الإسلام، والطهارة في اليهودية، والتعميد في المسيحية، والطقوس الدينية في الصابئة، والاستحمام في النهر المقدس لدى الهندوس، والأنهار والمياه المقدسة لدى الأمم والشعوب، مثل بئر زمزم، والأنهار والشلالات المائية لدى الهنود الحمر والأفارقة والآسيويين.

كتاب الأستاذ فاضل الربيعي "شقيقات قريش، الأنساب والزواج والطعام في الموروث العربي" يتحدى القارئ بكثير من الأسئلة والمقارنات والأمثلة والحالات الملفتة جدا للاهتمام، والتي تدعو إلى التأمل والمراجعة، ويعيد قراءة قصص معلومات مألوفة على نحو مختلف ولكنه منطقي.

في الروايات والقصص الدينية يشكل الماء محورا رئيسا، مثل قصة إسماعيل عندما هاجر مع أمه "هاجر" وأقاما في مكة، وفجر الله عز وجل لهما بئر زمزم، والذي تشكلت حوله قصة دينية وتاريخية وحضارية عظيمة غيرت وجهة العالم، وموسى ألقته أمه في النهر ليلتقطه فرعون ويعيش في قصره ورعاية أمه أيضا، وعيسى لجأت به أمه بعيدا عن قومه عند ولادته فوهب لها الوليد جدول ماء ونخلة "قد جعل ربك تحتك سريا"، ويجمع بين القصص الثلاثة بالإضافة إلى الماء "الأم" التي كانت شريكا أساسيا في القصة والرعاية، هل يرمز ذلك إلى قدسية الأم أيضا ومركزها في العطاء؟ أو العلاقة بين الماء والحليب (الرضاعة)، وبعد ابتلاء أيوب بالمرض وفقد الأهل لفترة طويلة من الله عليه بالشفاء "هذا مغتسل بارد وشراب".

في قصة ثمود شيء من رمزية الماء أيضا وعلاقته بالحليب، وثمود وهم القوم الذين كانوا يعيشون على الأغلب في الجزيرة العربية، وينحدر منهم العرب تعني هذه التسمية "الماء القليل" وقد ابتلوا بالناقة لتنظيم عمليات الشرب واستخدام الماء، فطلب منهم أن يمتنعوا يوما عن الماء ليخصصوه للناقة، ويكون لهم يوم آخر، القصة تبدو مشحونة بالرموز حول الماء وتنظيمه واستخدامه وعلاقته باللبن والغذاء، وعلاقتهما أيضا بتشكيل الجماعات والتاريخ والحروب والصراعات والتنافس والتعاون.

وربما كانت حرب البسوس في منشئها دينية أيضا، وليست مجرد قتل ناقة يقتل بها الملك كليب فتدور حرب طويلة تستمر أربعين سنة(لماذا أربعين سنة؟ وهل لذلك علاقة بالتيه لبني إسرائيل لمدة أربعين سنة؟) وفي دلالة رمزية أخرى فقد كان اسم الناقة "سراب"

والبسوس وهو اسم خالة جساس أو أخته يشير إلى فعل وهو صنع الطعام من الطحين والزيت "البسيسة" قال تعالى "وإذا بست الجبال بسا" أي طحنت، و"البس" من آلهة الطعام عند العرب وكان معبود قبيلة غطفان، فهل ثمة تشابه أو علاقة ما بين ناقة ثمود وناقة البسوس وعلاقة بين تقاليد تنظيم الجماعات والموارد وبخاصة في حالات الجوع والعطش والجدب والنزاع؟

ومن الملفت أن الرواية التوراتية عن قصة إسماعيل ليست مطابقة فقط للرواية العربية والإسلامية، ولكنها تجل إسماعيل وتمجد أمته، ففي سفر التكوين "وسمع الله صوت الصبي، فنادى ملاك الرب هاجر من السماء، قال لها: مالك يا هاجر؟ لا تخافي، فإن الله قد سمع صوت الصبي حيث هو، قومي فخذي الصبي وشدي عليه يدك، فإني جاعله أمة عظيمة" وفي موضع آخر "ها أنت حامل وستلدين ابنا وتسمينه إسماعيل، يده على الجميع ويد الجميع عليه وفي وجه جميع إخوته يسكن."

وفي قصة موسى عليه السلام عندما استسقى قومه الماء فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منهم اثنتا عشرة عينا بعدد أسباط بني إسرائيل الإثني عشر، وكانت أيضا قبائل العرب من أبناء إسماعيل اثنتي عشرة حسب الرواية العربية والتوراتية أيضا، وكما تجمعت الأسباط الإسرائيلية حول الماء وكان لكل سبط ماؤه المخصص، فإن القبائل العربية تجمعت حول الماء حتى صارت القبائل تنسب إلى الماء الذي تحميه وترد عليه.

هل نحتاج اليوم في أزمتنا الأزلية مع الماء إلى استحضار التاريخ والتراث؟ فالماء يشكل اليوم جزءا مركزيا في الصراع العربي الإسرائيلي.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ألأربعين سنه هي تاريخ فرعوني وليست تاريخ الضياع والتيه لليهود. (خالد مصطفى قناه .)

    الجمعة 2 شباط / فبراير 2007.
    أستاذ ابراهيم، القصه التي كتبتها حول الماء وطقوسه الدينيه شيقه وممتعه وفيها معلومات قيمه أيضا. أما بالنسبه لقصة حرب البسوس التي استمرت أربعين سنه وتتساءل أيضا هل لذلك علاقة بالتيه لبني اسرائيل لمدةأربعين سنه، لقد قرأت فيما سبق أسطوره فرعونيه حول قصة الملك الفرعوني أوزريس (اله المعرفه) عند المصريين القدماء وزوجته ايزيس ويقال أن أوزريس هو الذي علم الفراعنه المصريين أساليب الزراعه والري وعلوم الرياضيات وكان له شقيق يسمى سيت أو شيت أو ما اصطلح على تسميته بالشيطان وكان يغار من شقيقه أوزريس ، فقتل شقيقه وقطعه أربعون قطعه ودفنها في أربعين مكانا بمصر ، فجاءت زوجة أوزريس وانتصرت في المجابهة على شيت وبحثت عن الأربعين قطعه وأنشأت لكل قطعه معبدا وولدت بعدها ولدا أسمته حورس والذي لقب فيما بعد بحارس مصر، فصارالفراعنه يحجون لمقام سيدهم الأربعين ويقدمون له القرابين ، وبعدها ظهرت المسيحيه واستمرت الطقوس بالحج لخضر الياس وتقديم القرابين له وجاء والاسلام واستمرت الطقوس بالحج لمقام الخضر . فصار المصريون يحدون على الميت 40 يوما ويكرمون المرأه الوالده 40 يوما، فهذه قصة الأربعين حسب أساطير الفراعنه القدما