إبراهيم غرايبة

قوة الصمت

تم نشره في السبت 27 كانون الثاني / يناير 2007. 03:00 صباحاً

 يشكل الصمت مصدرا للحكمة والقوة. هذه الفكرة هي أساس الفلسفة والحكمة الصينية واليابانية والهندية بعامة، والتي يعبر عنها أحيانا بـ"الزن"، أو مذهب اللاشيء؛ وهو سلوك ذهني وطريقة مختلفة لإدراك الواقع، يقوم على رؤية الشيء مجردا من دون معرفة ذهنية قبلية، وبلا تشويش انفعالي.

يقول "وومن كوان"، أحد فلاسفة الصمت: "في الربيع زهور، وفي الخريف القمر، وفي الصيف نسيم منعش، وفي الشتاء الثلج، إذا لم يكن ذهنك مثقلا بخليط تافه تنفتح الحياة أمامك رائعة".

ويعود مذهب الزن إلى الراهب الهندي دهيانا أو بوديدارما، والذي ظهر في الصين في القرن السادس الميلادي (527م)، وكان رجلا متقشفا ونزيها وبوذيا مخلصا. وقد اعتكف في دير شاو لين. واشتهر بأنه لخص وبسّط تعاليم البوذية في حكم وقصص وحكايات. ومن أقواله وحكمه المأثورة: الحكماء لا يدخرون أجسادهم ولا ثرواتهم، ولا يملّون أبدا من السخاء، ولا تخدعهم المظاهر، ولا ينتفعون بالفضائل التي يمارسونها، ولا ينسبون الفضل إلى أنفسهم، ويحبون كل المخلوقات.

لتدرك الحكمة في الطبيعة وتستطيع الهدوء، انظر إلى الفيل الذي يروض بالوتد والحبل ثم يفك وثاقه، فيمضي حرا طليقا يساعد الناس. فخذ نفسا عميقا وازفر، إن حياتك هي هذه الأنفاس، وأنت هذا النفس الذاهب الآتي والصاعد النازل، بلا توقف، ومن دون زمام، فانظر بصبر وهدوء، ولا تحكم ولا تغضب، وتأمل أفكارك بنظرة من الداخل، ودع ثورات الغضب والملل تتبدد مثل دخان، ثم انظر من جديد إلى تنفسك يجيء ويروح.

كم مرة غضبت وندمت؟ وكم مرة غضبت ثم تبيّن أنك تغضب في الاتجاه الخاطئ؟ "كل شقاء الناس مصدره أنهم لا يعيشون في العالم، ولكن في عالمهم"؛ فكان الشاب يطيل النظر في المرآة يحسب أنه يرى صورة أبيه، وزوجته تنظر في المرآة بغضب إلى المرأة التي يحبها زوجها خلسة، وحين احتكما إلى راهبة قالت عن المرآة إنها راهبة.

ما الخلود؟ فالمنتهي هو اللامنتهي، واللامنتهي هو المنتهي، والحاضر هو الأزل، هذا ما وجده الرجل الصالح الذي وفد على الراهب ريوكان يطلب منه أن يساعده ليحقق أمنية الخلود، فقال له الراهب: تحتاج إلى سنوات من التنسك والزهد قبل أن تقدم أمنيتك فتستجاب. وبعد سنوات من التأمل وعمل الخير في قمة الجبل، وفي الليلة المخصصة لحفل استجابة الأماني، عدل الرجل عن طلبه، وقال: لم أعد أفهم لماذا طلبت الخلود.

الصمت وسيلة لمعرفة الحقيقة، والحكمة سر ما أن يلامسه الفكر حتى يتوارى. فقد كان راهبان يتجادلان طويلا، أيهما الذي يتحرك، الراية أم الهواء؟ فقال لهما المعلم: لا الراية ولا الهواء، ذهنكما هو الذي يتحرك.

"من يملك أن يميز بين الراهب والأمير والصعلوك، والأسد والدودة الصغيرة، الحرية الكاملة لمن لا يرغب في شيء، ولا يملك شيئا". قد تبدو حكمة جميلة، ولكنها ربما تكون مختلفة حين تكون خاتمة لقصة عن الإمبراطور الشيخ الذي لم ينجب ولدا، فلجأ إلى راهب في قمة الجبل، وجلس يتأمل هدوءه وحياته، وأعجب به كثيرا، فخطرت له فكرة، لماذا لا يكون هذا الراهب خليفته في الملك بما أنه ليس له ولد، وربما لن يكون ابنه إن وهبه الله ابنا في صلاح هذا الراهب.

فسأل الملك الراهب: أنا شيخ وليس لي ولد، أترغب أن تخلفني في الملك؟ كان الراهب يقطع الأخشاب، فأوقف عمله، وقال للملك: أنا ذاهب إلى النهر لأغسل أذني اللتين لوثتهما كلماتك، وتوجه إلى النهر ووجد فلاحا جاء ليسقي بقرته من النهر، فسأل الراهب متعجبا من فعلته، فأخبره القصة، فأبعد الفلاح بقرته، وقال: لن أدع بقرتي تشرب من ماء ملوث.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقالك تعبير عن ما في روحي (عبد الوهاب الرهونجي)

    الجمعة 29 كانون الثاني / يناير 2016.
    اشكرك على هذه المقالة , لقد ساعدتني في فهم نفسي اكثر وفتحت امامي افاق حياة جميلة. شكرا لك مرة أخرى , تحياتي
  • »هل هي دعوة إلى الصمت (يارا طاهر)

    الأحد 28 كانون الثاني / يناير 2007.
    هل نفهم من مقالك يا أستاذ إبراهيم أنك تدعونا إلى الصمت على مبدأ إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.
    وهل يمكن أن يأتي النضال والعمل العام بالصمت؟ أم تريدنا أن نحتج على الفساد والاستبداد وعدم المساواة بالصمت؟