د.باسم الطويسي

حركة من دون بركة!

تم نشره في الجمعة 26 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 صباحاً

كان قانون المطبوعات والنشر هو الأكثر عرضة، بين منظومة التشريعات ذات الصلة بالحياة العامة، للتبديل والتعديل على مدى عقد ونصف العقد. وباستعراض مسيرة هذا التشريع المغلوب على أمره، تظهر حالة الاسترخاء والمراوحة التي لم تبرح المكان نفسه، بل والجري المتعب حول الذات طوال تلك السنوات! وهو الواقع الذي مازالت تشهده التنمية السياسية وأحوال الحريات العامة في البلاد.

وفي ذات الدائرة المفرغة، تأتي الصيغة التي خرجت بها لجنة التوجيه الوطني في مجلس النواب التي أعادت تأكيد محددات إعاقة حرية الصحافة والتعبير من جديد. فالصيغة القانونية المقترحة من قبل اللجنة أبقت على حبس حرية التعبير والصحافة، ولم تفرج عنها كما هو المبتغى من هذا القانون، وهو الحال الذي يعكسه الإبقاء على توقيف الصحافيين وحبسهم، ومراكمة الغرامات المالية. فإذا أغلقت أبواب أمامية، فقد أُبقي على أبواب أخرى، وذلك بالإصرار الدائم على وجوب مراعاة أحكام التشريعات النافذة، والمقصود هنا قوانين العقوبات وأمن الدولة وغيرهما!

والغريب في الأمر هو حجم الحراك الذي نال هذا القانون منذ أن تم التعديل على قانون العام 1993؛ إذ تعرض لتعديلات عدة، ومواجهات حسم بعضها في ساحات المحاكم. وصاحب عدم الاستقرار في التشريعات عدم استقرار في إرساء تقاليد واضحة لعلاقات الحكومات ومؤسسات وسلطات الدولة بالصحافة. بينما ساهمت حالة عدم الاستقرار التشريعي، والحراك الخالي من المضمون الحقيقي، في تعطيل فرص نمو الصحافة وازدهارها، من خلال التأثير المباشر لهذه الأوضاع على مناخ الحريات الصحافية، الأمر الذي انعكس في تباطؤ نمو المهنية الصحافية، التي هي قمة وخلاصة الحرية المسؤولة، وهي الأساس الذي يجعل من الحرية الصحافية مصلحة وطنية عليا يتبارى للدفاع عنها الجميع، وفي المقدمة مؤسسات الدولة قبل غيرها.

موقف لجنة التوجيه الوطني، أو أي تيار آخر داخل البرلمان، لا يفسر بالرغبة في الدفاع عن الذات على خلفية المواجهة الأخيرة بين الصحافة ومجلس النواب، بل يذهب الأمر نحو الارتقاء صوب حالة مجتمعية شاملة، تنخرط فيها مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام وقوى مجتمعية أخرى، تؤكد أولوية إصلاح حريات التعبير قبل غيرها من التشريعات الناظمة للحياة السياسية. ولعلنا هنا نصل الى مربط الفرس.

فالجدل الدائر منذ سنوات بين الحكومة والمعارضة حول أولويات الإصلاح التشريعي؛ بين المطالبة بإصلاح قانون الانتخاب مقابل الدعوة إلى إصلاح قانون الأحزاب، تحول عبر الزمن الى ملهاة سياسية حينما غابت الرؤية الواضحة والشفافية في مسار تطور الحياة السياسية، مع استمرار غياب الأطر التشريعية الضامنة لحريات التعبير. وبالنتيجة، تُظهر التجربة المحلية -وتدل على ذلك أيضا تجارب التحول السياسي في معظم الديمقراطيات، الجديدة والقديمة- بان تعزيز حريات التعبير هي المقدمة الموضوعية لإصلاح سياسي حقيقي، وهي المظلة الآمنة لاستيعاب التحولات. بل ووصفت حرية التعبير بأنها أفضل أداة لتفريغ العواصف والخوف من عدم الاستقرار الذي يصاحب عمليات الإصلاح السياسي الكبرى.

الانفتاح غير المنضبط للصحافة في بدايات التحول الديمقراطي، وقبل الوصول إلى نضوج الإصلاحات السياسية، قد يقود إلى تراجع سلطوي في مجال الحريات الإعلامية، أي عودة السلطة إلى وضع قيود على حرية الصحافة، وربما العودة إلى احتكارها بحجة حماية الإصلاح السياسي ذاته. وبالفعل، تعمل حرية الصحافة غير المنضبطة، والتي تفتقد إلى عمق مجتمعي يبدو في عدم تأصيل القيم الديمقراطية، على إحداث فوضى اجتماعية قد تقود -مع وجود أسباب أخرى- إلى تراجع في مشروع الإصلاح بأكمله، الأمر الذي لا يعني بأي شكل من الأشكال الإبقاء على القيود التقليدية أو إعادة  تحريكها من هذا المربع الى ذاك، بل الحرص الدائم على ربط الانفتاح في مجال الحريات الصحافية بالمزيد من المهنية، وليس بالمزيد من القيود.

إصلاح حريات التعبير، وفي مقدمتها التشريعات المعنية بالصحافة والمطبوعات والنشر، هي الاختبار الحقيقي والمجال الموضوعي أمام مؤسسات الدولة الأردنية للبقاء داخل مربع الإصلاح السياسي وعدم مغادرته، حتى وان أجلت إصلاحات سياسية أخرى.

[email protected]

التعليق