إيران تُنهي إضراب بيروت!

تم نشره في الجمعة 26 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 صباحاً

الإضراب والاضطرابات التي شهدها لبنان يوم الثلاثاء الماضي انتهت بقتلى وجرحى وتدمير، لكن النهاية السياسية جاءت من طهران التي طلبت من حزب الله وقف الاحتجاجات، فاستجاب نصرالله لمرجعيته، لتعود بيروت صباح الأربعاء هادئة كأنها لم تشهد في اليوم السابق اضطرابات وقتلى وفوضى.

المملكة العربية السعودية بادرت إلى مساعدة لبنان، فذهبت الى أصحاب القرار في طهران. وبدلا من مخاطبة حزب الله أو قوى المعارضة في أحداث لا تنتظر وقتا طويلا، كانت المطالبة من طهران التي أصدرت أوامرها لأتباعها في بيروت أن يوقفوا الاضطرابات. وأوفد العاهل السعودي الأمير بندر بن سلطان لمتابعة الأمر هناك.

المبادرة السعودية تستحق التقدير لأنها تنطلق من حرص على استقرار لبنان وحقه في الحياة الطبيعية، لكن أحداث بيروت أثبتت أن طهران أصبحت المرجع في حسم قضايا داخلية في عدد من دولنا العربية. فإيران تحرك أتباعها في بيروت، وعندما تريد أن تقايض ورقة بيروت بأمر آخر تصدر تعليماتها بوقف التحرك، وهي تعلم أن أوامرها لا تناقش من أحد، بل يتم التعامل معها وكأنها قدر لا يرد.

لسنا في طور التدخل في الشأن اللبناني، فما نتمناه هو أن تبقى قضية داخلية بين القوى اللبنانية يتم حسمها بالحوار والاحتكام إلى الطرق الدستورية، لكن المشكلة تبدو عندما يدفع لبنان ثمن تدخل أطراف خارجية، سواء أكانت إيران أم أميركا. والمشكلة أيضا هي عندما يكون الاضطراب في لبنان رسالة من أي طرف إلى خصومه بأنه حاضر وموجود. فلبنان ليس ساحة تقول من خلالها إيران لأميركا إنها ليست صيدا سهلا، وليست قضية تقول من خلالها أميركا إنها ذات حضور وتحقق استراتيجياتها.

 لبنان، وقبله العراق، وبعدهما ساحات عديدة، تسعى إيران إلى أن تكون صاحبة الولاية فيها. وإذا استمر التجاهل لما يجري، فقد تضطر بعض الأنظمة إلى الاتصال بطهران لحصول حكومتها على ثقة البرلمان، أو لحل مشكلة إضراب خدمات، لأن طهران تشعر أن أصابعها الطائفية والسياسية تعطيها الحق في التدخل حتى في التفاصيل الداخلية للدول التي لها فيها نفوذ.

 أحزاب المعارضة الأردنية اتجهت إلى الأمام خطوة إيجابية عندما توجهت إلى السفارة الإيرانية في عمان، قبل يومين، وسلمتها مذكرة حول التدخل الإيراني في العراق؛ هذا التدخل الذي أصبح عبئا على أمن العراق ووحدته، وأصبح التدخل الإيراني لغايات إعطاء العراق صفة الدولة الطائفية التابعة لطهران، كما التدخل عبر فرق موت وميليشيات تمارس القتل والمطاردة بدوافع عقائدية وسياسية لتغيير هوية الدولة.

وموقف المعارضة الأردنية الذي بدأ يشعر بخطورة التأثير والتدخل الإيرانيين يجعلها أكثر اقترابا من إدراك تفاصيل القضية العراقية. فإيران تريد أن تواجه أميركا في العراق بعد أن انتهى الحلف بينهما في فترة العدوان الأميركي واحتلال العراق. وموقف المعارضة الذي جعلها تحتج على إيران في سفارتها، يجعلها أقرب إلى تبني موقف عربي من القضية العراقية وتداعياتها، من دون الحاجة إلى إغماض العيون عن الدور الإيراني السلبي لمصلحة تحالفات وحسابات قوى غير أردنية.

 للعراق واجب كبير على كل أبناء الأمة، وأدنى أشكال هذا الواجب هو أن تكون المساندة بناء على وعي متكامل. فأميركا عدو واضح ومحتل غاصب، لكن آخرين، وفي مقدمتهم إيران، ساهموا في العدوان والاحتلال والتدمير بأشكال سياسية، وباستغلال العلاقات مع قوى عراقية وإضفاء الشرعية على الاحتلال، ثم المشاركة الفاعلة - منفردة أو بالتعاون مع القوى المحتلة - في استهداف المقاومة العراقية النظيفة، واجتياح مدن لا ذنب لها إلا أن أهلها يرفضون أن تكون بلادهم تحت الاحتلال.

الساحة الأردنية شهدت تطورا نوعيا في إدراكها للدور الإيراني السلبي في العراق، وقد كان هذا الوعي كامنا أو خجولا تحت ضغط تأثير التضليل الإيراني الذي استعمل القضية الفلسطينية للتغطية على حقيقة مواقفه. لكن موقف المعارضة وكل القوى السياسية الأردنية بحاجة إلى تطوير ووضوح، فالأمر مرتبط بمصير دولة عربية وشعب عربي لم يتوان يوما عن أداء واجبه تجاه قضايا أمته.

ما بين بغداد وبيروت وساحات عربية أخرى قاسم مشترك، وهو الخوف من تحول طهران إلى طرف في القضايا الداخلية، والأخطر أن يصبح العبث في الساحات العربية جزءا من أدوات السياسة الخارجية الإيرانية.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق