دفتر الدّين

تم نشره في الأربعاء 24 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 صباحاً

قديما، وربما ما يزال، هنالك علاقة بين رب الاسرة وكل أفرادها وصاحب البقالة ومحل الخضراوات ودكانة الدجاج الموجودة في الحارة. فالجميع يملكون صلاحية الشراء على الدفتر، وبخاصة العائلات المحدودة الدخل التي تشتري اغراضها بالتقسيط، حيث شراء رطل السكر ومثله من الارز وباكيت شاي، والدفتر موجود لدى محل الدجاج او البقالة او الخضار، وكلما اشترى رب الاسرة او احد افرادها شيء سجله على الدفتر، والدفع نهاية الشهر.

عادة ما يقوم رب الاسرة بتوزيع الراتب على تجار الحارة، ويبقى معه نسبة منه للمصروف العادي. ولا تخلو ساعات يوم استلام الراتب من عدد من الاشتباكات مع الزوجة التي تود أن ينالها من الراتب شيء من أغراض البيت من الطنجرة او الصحون وحتى (القشاطة)، وفي نفسها حلم اشبه بحلم الدولة الفلسطينية المستقلة أن يكون الزوج رومانسيا ويضع في يدها خمسة دنانير منحة غير مرتبطة بأي شروط، لكن الزوج العظيم معذور لأن ما تبقى لا يمكنه من حلف اي يمين بالطلاق عند دعوة صديق او قريب على غداء او عشاء، وما في جيبه ليس الا (عيّنات) من الدنانير.

الشراء على الدفتر يتطور! اذا شعر رب الاسرة أن التاجر يتلاعب بأسعار او كميات المشتريات مثل أن يسجل كيلو السكر كيلوا ونصفا، او اذا شعر أن بعض افراد العائلة يمارس الترف فيشتري (كازوزة) او علبة طن خارج نطاق الموازنة، والحل المستعمل دفتر صغير لدى رب الاسرة يقوم التاجر بالكتابة عليه كل ما يتم شراؤه، ويعطي الاب تعليماته للتاجر واسرته معا، ان الدين ممنوع الا لمن يحمل الدفتر، واحيانا يمارس نوعا من التحايل (فينسى) عن قصد الدفتر في جيبه، وهو في العمل وذلك لغايات ترشيد الاستهلاك، واذا احتاجت الأم كيس ملح يرفض التاجر بيعها اياه الا بوجود الدفتر الصغير، وفي نهاية الشهر يقوم الاب بمطابقة دفتره الصغير مع دفتر التاجر لضمان عدم التلاعب وضمان عدم الإسراف.

سهولة الحصول على الدين تمثل نوعا من الاستدراج للانسان سواء كان فقيرا او غنيا او دولة. لهذا لدى البنوك قسم تسهيلات، وهنالك عروض وحتى الدول تبحث عن قروض ميسرة. الدَّين اشبه بالمرض، فمن وجد فرصة للحصول على مال مع سداد بعد حين وفترة سماح لقي في نفسه هوى ورغبة، لكن المشكلة الكبرى مع الدول التي تخضع للاستدراج فتضيف إلى مشكلاتها الاقتصادية مشكلة الديون، واينما تجد صندوقا او دولة تقدم قروضا تأخذ منها ويزيد من استدراجها اذا كان هنالك فترة سماح طويلة فتشعر الدولة أنّ الدين ليس عبئا، لكن السنوات تمضي والسماح ينتهي.

أحيانا نجد اشخاصا يبحثون عن دين لشراء ثلاجة ويقنع عائلته بضرورة اخذ قرض من شخص او بنك، وبدلا من أن يأخذ (300) دينار مثلا ثمنا لثلاجة يأخذ قرضا من (400) دينار، ولمزيد من التسيب يدفع (200) دينار من ثمن الثلاجة ويترك الباقي اقساطا ودينا عليه، ويمارس الترف بما تبقى وهو (200) دينار، وحتى يحقق استدراجا وشراكة لعائلته يشتري لهم بعض الملابس والاغراض، وينفق ما تبقى في غير مكانه، فتكون العائلة قد تحملت كل هذه الفوضى من دخلها القليل.

المثال السابق قد تمارسه دول! فتأخذ قروضا كبيرة لمشروع ما، لكنها تخصص جزءا من المبلغ للمشروع ثم تنفق الباقي في غير مكانه، ثم تستدين مرة اخرى لإكمال المشروع، وهذا يحمل في ثناياه فوضى وسوء إدارة وتوريط لتلك الدولة في ديون تتزايد.

هل يمكن أن يكون لدى كل حكومة دفتر دين تتطابق فيه المعلومات مع دفتر التاجر أي الدول الدائنة. والأهم أن يكون هذا الدفتر أحد معايير نجاح السياسات الاقتصادية. فليس معقولا ان تتحدث دول عن نجاحات اقتصادية بينما دفتر الدين يمتلئ عاما بعد عام!

أمّا الفرق الكبير بين دفتر المواطن ودفتر الحكومات أن دفاتر الدول تتبعها دفاتر الفوائد وحكايات الجدولة ومحصلتها ما يسمى "خدمة الدين العام" التي تعني الاقساط والفوائد وتستهلك جزءا غير يسير من موازنات الدول.

نتذكر أنّ دفتر الدين الصغير في جيب رب الاسرة او في الخزانة إحدى اليات ضبط الانفاق وترشيد الاستهلاك، وهي في مصطلحات الحكومات هيئات رقابة لأن السلطة بلا رقابة تغري بالانفاق من المال العام، ابتداء من القرطاسية والاقلام المستوردة التي يفضل بعض المسؤولين نقلها الى ابنائهم وانتهاء بالحد الأقصى من الإسراف بما فيه انفاق غير ايجابي بالقرارات التي تتحول إلى ثروات للمستفيدين منها.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Nice Perfect Article (مصعب)

    الخميس 25 كانون الثاني / يناير 2007.
    Really, I would thank the writer of this article ..because it seems that this is the truth of our life..thx sameeh
  • »اسمعت لو ناديت حيا (pearl)

    الأربعاء 24 كانون الثاني / يناير 2007.
    مقال بسيط و جميل جدا و الأهم العبرة و الدروس الي يفيض بها اتمنى ان تجد المقالة من يقرأها و يعيها و يستفيد مما جاء فيها لكن لا بد لي بكل أسف ان اقول قد اسمعت لو ناديت حيا و لكن لا حياة لمن تنادي..
  • »ما زال الدفتر (أشرف)

    الأربعاء 24 كانون الثاني / يناير 2007.
    مقال رائع سيد سميح. بالواقع دفتر الدين ما زال قائم ولكن تم تطويره لياخذ شكل بطاقات الاتمان التي يتم اغراء المواطنين باستعمالها في لحظة حاجة ليجد نفسه يدفع أضعاف قيمة المشتريات وبطريقة غير قابلة للتوقف. الوضع صعب والناس في ضيقة ممتده تهدد أستقرار الوطن.