محمد أبو رمان

من أين هذه الدموية؟

تم نشره في الخميس 18 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 صباحاً

 ما أصعب تلك الصورة التي ينقلها مصور وكالة أنباء فرانس برس عن جريمة جامعة المستنصرية في بغداد، التي راح ضحيتها خمسة وستون قتيلاً ومائة وأربعون جريحاً أكثرهم من الطلاب والأساتذة والعاملين في الجامعة؛ يقول المصوّر: "جثث طلاب جامعة المستنصرية تناثرت في الشارع واحترق معظمها". ويضيف شرطي في موقع الحدث: "كان رنين الهواتف النقالة لبعض الطلاب متواصلاً، بجوار جثثهم" ويضيف متسائلاً: "على من اجيب؟ وماذا سأقول له؟ ابنك قتل حرقاً!". ويقول المصور: "الباحة الامامية للجامعة تحولت الى مستنقع من الدم اختلط بأوراق المحاضرات والكتب والاقلام". 

أي تسويغ ذهني أو نفسي يمكن أن يحمله أولئك الذين قاموا بتفجير الجامعة، سواء السيارة المفخخة أو ذلك الانتحاري الذي ألقى بنفسه بين الطلاب الناجين من التفجير الأول، كيف وصلنا إلى هذه الحالة المرضية المرعبة؟!

بشاعة جريمة المستنصرية (قتل طلاب جامعة!) لا تقل عن جريمة تفجير مرقد الإمامين في سامراء في نيسان من العام المنصرم، ولا عن حرق ستة من أئمة المساجد وهم أحياء، قبل أسابيع قليلة. ولا عن قتل أكثر من سبعمائة إمام وعالم ومفت سني، أكثرهم راح في الصراع الطائفي، بينما تتحدث إحصائيات متعددة عن مئات العلماء وأساتذة الجامعات الذين قتلوا وهربوا وهُجِّروا، يمثلون الكفاءة العلمية العراقية الاستثنائية في العالم العربي!

ما يجري بمثابة هندسة اجتماعية جديدة تنتزع من العراق العقول المفكرة والطبقة المتعلمة المتميزة، وتضع مصائر البلد بأيدي المتطرفين والموتورين وأصحاب المصالح الخاصة الضيقة، الذين يبنون مراكزهم ونفوذهم على الخراب والدمار ومصائب الناس.

وفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة؛ فإنّ عدد القتلى المدنيين، فقط خلال العام المنصرم، بلغ قرابة خمسة وثلاثين ألف قتيل، وستة وثلاثين ألف جريح، وعلى الرغم من هذا الدمار البشري المرعب فإنّ عمليات الإعداد لجولات أكثر دموية بين الشيعة والسنة قائمة على قدم وساق، ويمكن أن تلمح تلك الروح الدموية التي تسيطر اليوم على الجميع من خلال زيارة سريعة لبعض مواقع الانترنت المحسوبة إما على الشيعة أو على السنة في العراق، وحديث كل طرف عمّا يتعرّض له من مجازر وقتل وتصفية طائفية من الطرف الآخر. 

السؤال الذي يجب أن يطرح في سياق هذا المشهد المرعب: من أين أتت تلك الدموية؟ بعض الكتّاب والمعارضين العرب، كالعادة، يحملون الاحتلال مسؤولية هذه الفتنة الطائفية، ويشيرون إلى أصابع خفية (خارجية بالطبع) تقف وراء إشعال فتيل الاقتتال والحرب والدمار.

صحيح أنّ الاحتلال مسؤول عن عدم قدرته على توفير الأمن والاستقرار، وأنّه ضرب على وتر الطائفية في مرحلة الاحتلال الأولى. كما أثبت القادة الأميركيون أنهم لا يقيمون أي وزن لحقوق الإنسان في العالم العربي والإسلامي، ليس فقط حقوقه كآدمي، بل كمخلوق، سواء في جرائم الحروب التي ارتكبت (في افغانستان والعراق) أو الانتهاكات الفظيعة في ممارسات الاحتلال، لكن على الرغم من ذلك فإنّ هذه الروح الدموية هي منّا وفينا، ونحن المسؤولون عنها، فنحن الذين نقتل بعضنا بعضاً ونشرد بعضنا بعضاً، حتى وإن كان هنالك محفز خارجي، فلماذا نمنحه ذلك القبول وتلك الاستجابة الواسعة!

لسنا بحاجة إلى كبير عناء لرصد انتشار الروح الدموية ومسوغات الدمار والخراب في ثقافتنا اليوم، فقط ادخلوا على بعض منتديات شبكة الانترنت أو التعليق على بعض المقالات والمواقع، ليس فقط في العراق، بل في العالم العربي والإسلامي، لتقفوا على حالة ثقافية مرعبة تقوم على التكفير والتخوين والاستعداء وتسويغ القتل والذبح بحجج وذرائع دينية وسياسية بائسة وغريبة.

ذلك الخطاب العدمي ليس صادراً من ساحات القتال، بل أصبح شعبياً ونخبوياً في آن، وهو خطاب يصيبني بالرعب الشديد، وأنا أتأمل؛ كيف وصل المواطن العربي إلى هذه المرحلة من التفكير وتلك الحالة النفسية الاقصائية السلبية! كثير من تعليقات القراء، التي أقرأها هنا وهناك، أشكّ أنها أقرب إلى مرض "العصاب"! وإذا كان البعض يقصر الحالة النفسية والذهنية السابقة على العراق فهو مخطئ تماماً، فما حدث في لبنان من اغتيالات وقتل على خلفية الموقف السياسي وحالة التجنيد والاستقطاب المتبادل مؤشر آخر على الروح العدمية، وما حدث في غزة من عمليات قتل وخطف متبادل دليل آخر.

تلك الروح الدموية هي نتاج طبيعي وشرعي لواقع سياسي واجتماعي هش ومأزوم، ينتعش فيه خطاب ظلامي متطرف. بينما المعارضون العرب "الأفذاذ" يعتبرون الحرب الأهلية المرعبة أولوية ثانوية أمام مواجهة العدوان الخارجي، وبدلاً من الإسراع في إطفاء النيران، يتخندقون ويتعصبون في مواقفهم السياسية، مع هذا الطرف أو ذاك.

لعل أغرب التعليقات التي يمكن أن تقف عليها في خطاب المعارضة العربية تلك المقارنة بين استبداد صدام وجور الاحتلال وخلفائه في العراق! بالله عليكم أي خطاب هذا الذي يضعنا بين خياري الاستبداد الدموي أو الاحتلال والطائفية والحرب الأهلية..

أي أفق سياسي وحضاري يقدّم لنا؟!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Sad Situation (Ahmad)

    الخميس 18 كانون الثاني / يناير 2007.
    The situation in Iraq is catastrofic & leaves everyone wondering what to do in order to stop this tragedy, and how the out come will be. I am sure not even the top polititians knows how and when it is going to end.

    Self violence is becoming our daily bread, and unfortunately I personaly don't see it going away very soon.

    I must realy thank you for your articles as well as the other authours like you in Al-Ghad whom are trying to show the readers some of our own problems.