د.باسم الطويسي

الحرب القادمة وحُمى التاريخ

تم نشره في الأحد 14 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 صباحاً

 

باتت الحرب القادمة في الشرق الأوسط مسألة وقت لدى الكثير من المراقبين، إذا لم تحدث تحولات عميقة على خطوط التماس المشتعلة أو شبه المشتعلة على أكثر من جبهة، والحرب القادمة وفق هذا التصور لا تحتاج أكثر من شرارة لاندلاع حرائق لا يستطيع احد تقدير حجم امتدادها وقوة نارها، وكما ان الحرب القادمة - كما يقال- قد نضجت شروطها على أكثر من جبهة فان لكل منها سيناريو يصب في نهاية المطاف في حريق كبير سيدفع ثمنه الجميع، وإن سيكون أكثر الخاسرين هم العرب على اختلاف معسكراتهم وتحالفاتهم.

أثناء حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات انتشرت أغنية وسط الشباب الإسرائيلي، وهي أغنية جميلة وحزينة يغنيها شاب لصديقته ولرفيق ثالث يصاحبهما باستمرار هو الحرب القادمة، تعبر عن حجم القلق السياسي والاجتماعي والثقافي بانتظار حرب قادمة لا محالة وسط شعور بالحاجة إلى معادل أيديولوجي عن اضطهاد الآخرين.

العالم يراقب وينتظر بحذر وقلق البؤر الساخنة في الشرق الأوسط وجميعها مرشحة لإشعال شرارة الحرب التي قد تبدأ بضربة تكتيكية أميركية لمواقع استراتيجية مختارة في إيران، مقابل رد استراتيجي إيراني في العراق، وربما في إسرائيل والخليج، أو تبدأ بسيناريو ثان ملخصه خروج الوضع اللبناني عن السيطرة وحدوث مواجهة واقتتال بين الفرقاء اللبنانيين يحسم بسرعة لصالح سيطرة حزب الله، الأمر الذي سيدفع إسرائيل لاجتياح لبنان بشكل كامل، ما يعني ان الحرب قد بدأت ليس ضد لبنان وحده، بل ضد سورية وإيران أيضا، ويصل هذا السيناريو إلى احتمالات وقوع حرب إقليمية شاملة يتم فيها تبادل استخدام أسلحة استراتيجية بين إسرائيل وإيران، وثمة سيناريو ثالث يرشح الساحة الأكثر قلقاً وهي الساحة العراقية أن تكون مصدر شرارة الحرب الإقليمية القادمة، بعد ان أصبحت الولايات المتحدة باحتلالها للعراق وحضورها الكثيف في الخليج جزءاً من الإقليم، ويبدو ذلك في ميل الإدارة الأميركية نحو الاقتناع بان الحل الوحيد للوضع العراقي حل عسكري ويترجم ذلك عملياً بإرسال (20) ألف جندي أميركي إلى العراق، إلى جانب توجيه تهديد مبطن للدول العربية للتعاون مع المخطط الأميركي في هذه المرحلة، في الوقت نفسه يجري الحديث عن عسكرة شاملة للمنطقة ليس أقلها صفقات الأسلحة التي باتت تتدفق هنا وهناك، وبدء الولايات المتحدة تركيب منظومات صواريخ الباتريوت على أراضي الدول الحليفة لها.

جميع احتمالات الحرب القادمة وساحاتها المرشحة ومصادر شرار نارها المتوقعة لا تستقيم مع خرائط التحالفات التي يروج لها، فالخرائط الراهنة لا تعدو أكثر من عنصر من عناصر استراتيجية التهيئة للحرب، وهو عنصر يفترض الحرب من خلال تطور الصراع على خطوط التماس بين مشروع هيمنة تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل ويلاقي الدعم مما يعرف بالدول العربية المعتدلة، مقابل مشروع مقاومة تقوده إيران وتحالفاتها المتعددة في المنطقة إلى جانب القوى الأصولية السنية، وفي الوقت الذي قد تتماسك بعض أطراف مشروع الهيمنة فإنّ مشروع المقاومة افتراضي في الكثير من التفاصيل، وحينما تقوم الحرب سنجد خرائط جديدة للتحالفات وبعض تفاصيلها ستفاجئ الكثيرين.

حُمى التاريخ - التي عكستها ظروف الصراع والتهيئة للحرب القادمة، وتبدو في صورة الفرز الطائفي والمذهبي- ستبقى احدى المحكات الأساسية للتهيئة بينما من المرجح ألا تحدد هوية الصراع في نهاية المطاف. الحرب القادمة ستكون فوق الأرض العربية، وسيكون العرب هم الخاسر الأكبر فيها بغض النظر عن المنتصر، كانت الأغنية الإسرائيلية التي يغنيها شاب لصديقته تتحدث عن ثلاثة أطراف في انتظار الحرب القادمة: (حينما نتنزه نكون ثلاثة أنا وأنتِ والحرب القادمة، وحين نبتسم في لحظة الحب تبتسم معنا الحرب القادمة... وحين ينتهي كل شيء نكون ثلاثة؛ الحرب القادمة وأنتِ والصورة) كان ذلك في الانتظار الإسرائيلي لحرب أكتوبر، أما الانتظار العربي للحرب القادمة التي طال تحفز الآخرين لها، وطال الحديث عن ثلاثة أطراف ستخوضها هي الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل وإيران من الجهة الأخرى، والعرب المنقسمون بينهما، ربما ستأتي هذه الحرب، وحينما ينتهي كل شيء سوف يبقى في الشرق الأوسط العتيد ثلاثة أطراف أيضا؛ المشروع الأميركي الإسرائيلي والمشروع القومي الإيراني وذكرى العرب.

[email protected]

التعليق