فرصة بوش الأخيرة!

تم نشره في السبت 13 كانون الثاني / يناير 2007. 03:00 صباحاً

 

يحتدم الجدل في الولايات المتحدة حول استراتيجية الرئيس بوش الجديدة في العراق، والمتضمنة ارسال 20 ألف جندي أميركي من أجل مساعدة حكومة رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، لتحقيق الأمن والاستقرار في بغداد. لكن بوش يضرب عرض الحائط بكل المحددات الداخلية، ليمضي في محاولة بائسة لتحقيق نصر يحفظ له ماء الوجه.

تفكير الرئيس بوش هو أن الحكم على رئاسته وموقعه في التاريخ سيكون من خلال النجاح أو الفشل في العراق، وهذا هو السبب الرئيس الذي يجعله يتجاهل الرأي العام الأميركي المناهض للحرب، ونتائج الانتخابات النصفية للكونغرس التي أسفرت عن توجيه ضربة قاصمة للرئيس ومكانته بسبب الوضع المتردي في العراق.

ففي خطابه الذي كان منتظرا يوم الاربعاء الماضي، تحدث الرئيس بوش لمدة عشرين دقيقة عن خطته الجديدة التي اعترف من خلالها بفشل الاستراتيجية الاميركية في العراق، وجادل بأن ارسال القوات سيعجل بالنصر، وسيعيد بالتالي الجنود إلى بيوتهم في أسرع وقت. وبعبارة أخرى، يطالب بوش بفرصة أخيرة ليثبت ان الحرب من الممكن ان تنتهي بنجاحات كبيرة.

وما يلفت النظر في خطاب بوش انه ركز على عامل الخوف فقط؛ فقد بدأ حديثه وأنهاه بالتحذير من مخاطر أن تخسر أميركا الحرب على "الإرهاب"، وأثر ذلك على امكانية مهاجمة الاميركيين في بيوتهم.

بل ولم يكتف بذلك، إذ وجه تحذيرا إلى السعودية ومصر والاردن بأن انسحاب الولايات المتحدة سينعكس سلبا عليهم وعلى أمنهم، متجاهلا أن الامن في هذه الدول أصبح موضع تهديد من قبل الراديكاليين بعد أن قام بوش بتفكيك العراق وتغيير الخريطة الداخلية!

لكن يبدو ان خطاب بوش، الذي بدا فيه مرتبكا نوعا ما، لم يغير من قناعات الاميركيين. ففي استطلاع للرأي في اليوم التالي للخطاب، عارض الخطة اكثر من نصف المستطلعة آراؤهم. وحتى أن أعضاء في مجلس الشيوخ والنواب من الحزب الجمهوري شنوا هجوما شرسا على سياسة بوش الجديدة؛ وعلى سبيل المثال، قال هاغل، السناتور عن نبراسكا: ان الحرب غير الشعبية هي فيتنام بوش. أما الحزب الديمقراطي، فينوي اتخاذ خطوة باتجاه استصدار قرار غير ملزم للرئيس ضد الاستراتيجية الجديدة. ويهدد الديمقراطيون بعدم الموافقة على التمويل لهذه الزيادة في القوات.

الوضع يتأزم مع مرور الوقت. ومنتقدو الرئيس الذين يطالبون بسحب القوات لا يطرحون بديلا للسياسة الحالية غير الانسحاب. وقد تحدت كونداليزا رايس، في جلسة الاستماع مع لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، بالقول: "هل لديكم خطة "ب" في حال انسحابنا؟"، بمعنى: كيف سيستقر الوضع اذا ما انسحبت الولايات المتحدة الآن؟ ولا يجيب الديمقراطيون عن هذا التساؤل! وقد اكتفى باراك اوباما، احد الذين قد يترشحون عن الحزب الديمقراطي للرئاسة، بالتركيز على العيوب في الخطة من دون تقديم بديل.

ومع كل الانتقادات، فان البديل الوحيد الذي قدم لغاية الآن هو تقرير بيكر-هاملتون، الذي شكل إحراجا شديدا لادارة بوش.

لم يعكس خطاب بوش الأخير فهما عميقا للحالة العراقية. فالحديث عن دعم المالكي، والاعتماد على "تصميم المالكي" في محاربة الميليشيات، يتجاهل اعتمادية المالكي نفسه للبقاء في الحكم على موقف مقتدى الصدر الذي ينتقده الاميركيون بشكل مستمر. بمعنى، كيف يمكن من حكومة، يرى كثيرون ان لها أجندة طائفية، أن تعاقب العنصر الوحيد الذي يعطيها الأكثرية الضرورية للحكم؟! أما حديث بوش عن الديمقراطية فهو أمر مثير للشفقة، بعد أن ثبت ان الذين وصلوا إلى الحكم لا يمثلون سوى الأكثرية الطائفية، وليس الأكثرية السياسية. والمشكلة الأخرى في الخطاب هي التناقض بين اصرار الرئيس بوش على تحقيق انتصار، وتهديده المبطن للحكومة العراقية بأن التأييد لها ليس أبديا، وأن القوات الاميركية ستنسحب اذا ما أخفق العراقيون في التفاهم والاستقرار. وهذا يعني انه ليس لدى الادارة الحالية ما يسمى بالخطة "ب" البديلة!

في الختام، يمكن القول إن بوش يطلق الطلقة الاخيرة الموجودة في جعبته، وعلينا بالتالي توقع المزيد من الدمار والقتل في العراق الى ان يأتي الحسم، والذي قد يأخذ وقتا أطول وأرواحا بالآلاف.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مأزق الاحتلال (هاني عبد الحميد)

    السبت 13 كانون الثاني / يناير 2007.
    ارى انه من المضحك المبكي ان يزجنا جورج بوش الصغير في مأزقه الذي اوقع نفسه فيه بظلفه والذي لا يتمناه حتى لعدوه في العراق. فنحن في الاردن والسعودية ومصر-حتى على المستوى الرسمي دون الشعبي- لم نكن في يوم من الايام في حسابات السيد بوش الجدية وهذه التصريحات الفارغة لم تعد تخدع أحدا. فمصالح الدول والشعوب الثلاثة لا ترد حتى في ذيل قائمة اولوياته. اما لو ادعى ان انسحابه الفوري وغير المشروط من العراق المحتل سيكون ضربة شديدة للطغاة من حلفائه الصهاينة وعملائهم فذلك اقرب الى التصديق. اذ كيف كان حالهم في حرب تموز/آب وكيف يمكن ان تكون عليه الحال لو تجرات قوى أخرى على تجربة شدة بأسها في المستقبل وهل يخبأ لها التاريخ مكانة مرموقة تستحقها بين الامم...لننتظر فنرى. اما ان جورج بوش هل لديه الوقت الكافي والمقدرات المطلوبة لحسم الامور وبالقياس على ادائه منذ آذار 2003 وما تخبئ له قادم الايام من مفاجآت مع المقاومة البطلة في العراق فانه يبدو انه سيتعلم درسه الطريق الصعب وسيدفع الثمن غاليا نتيجة اصراره على الخطأ وعدم استيعابه مقولة أن القوة الغاشمة لا تقهر الشعوب مهما طال الزمن وبلغت التضحيات في سبيل الوطن.