محمد أبو رمان

استباحة العقول

تم نشره في الجمعة 12 كانون الثاني / يناير 2007. 03:00 صباحاً

من ضمن التعلقيات المنشورة أو التي وردت على مقال "معركة بغداد وويلاتها القادمة" ثمة رد يستحق مناقشته والوقوف عنده لما فيه من إضاءات مفيدة على موضوع الطائفية السياسية ومستوياته المختلفة.

التعليق جاء باسم "مراقب"، يتساءل فيه عن التعامل مع وثائق "لم تثبت صحتها" – تعليقاً على وثيقة في مقال معركة بغداد- وكيف يمكن أن نستخلص منها نتائج خطيرة؟! ونبني عليها، وكأننا نساهم في إشعال فتيل الأزمة لا إطفائها.

يقول صاحب التعليق: " إن كانت هذه الوثائق صحيحة فنعم، تكون مؤشراً سيئاً. ولكن إذا كانت غير صحيحة فهي مؤشر على شيء مناقض تماماً، ألا وهو وجود من له مصلحة بالفتنة الطائفية في العراق. وهذا الاحتمال – إن صح – فهو يعني وجود عملاء مخابرات أجنبية أو على الأقل من الطائفيين النظائر للشيعة الذين لهم مصلحة في تأجيج الحقد ضد الشيعة.

ولا يمكننا موضوعياً الأخذ بالاحتمال الأول وترك الثاني من دون حتى ذكره بعبارة واحدة، أليس كذلك؟ أما لو أردنا التركيز أكثر فإن احتمال كذب هذه الأخبار أكبر بكثير من احتمال صدقها، وذلك لأنه لو كان هناك أي مجال لإثباث صدقها لما وفر ناشروها جهد بيان هذه الإثباتات. فنحن نعيش في عالم سياسة القرن الواحد والعشرين التي تتسم بالدرجة الأولى بغياب الخط الرفيع بين الحقيقة والكذب، ويبتلى أصحابها بعدم القدرة على التمييز بين الواقع الافتراضي لوسائل الإعلام والمؤامرات المؤسساتية الإعلامية التي تستهدف غسيل أدمغة الشعوب.

ثم ينطلق الكاتب إلى ما يسميه بـ "تسجيلاً متداولاً، عبر أوساط إعلامية وثقافية، على شبكة الانترنت." ويستنتج منه "أننا أمام "إباحة دماء" بالجملة!" دون أن يعلق على مدى مصداقيته!

وأخيراً يقفز الكاتب إلى مراده الأصلي من كامل هذا المقال ويقول: "الوثائق السابقة، وغيرها، تؤكد أنّ معركة بغداد باتت مسألة وقت، ليس إلاّ". أي أنه، وبحسب مستوى موضوعية الكاتب، وثائق غير مؤكدة، وأفلام فيديو مجهولة المصدر على الإنترنت، جعلت من "معركة بغداد مسألة وقت، ليس إلاّ"!

مع تقديري للتعليق، وهو يستحق النقاش بالفعل، إلاّ أن صاحبه قد قرأ المقال بانفعال شديد، دون تمعن، لأنّ الخلاصة التي وصلتُ إليها من الوثائق الموجودة هي ذاتها التي يختم بها! أولاً بالنسبة لوثائق الجيش الإسلامي فهي ثابتة مؤكدة، وليست مجالاً للشك، فهي بالصوت والنص المكتوب، أما وثيقة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، فقد ذكرت بوضوح أنها غير ثابتة، على الرغم أن وكالة (واع) قدمت نص الوثيقة مصوراً، ولم أسلّم بذلك، لأن (واع) هي وكالة سنية وليست شيعية. أما كيف نقبل بوثيقة غير ثابتة منهجياً، فالرد على ذلك في المقال، فالوثيقة حتى لو فرضنا أنها مزورة حتماً، فإنّ هنالك دلالاتين خطيرتين، الأولى متعلقة بالسياق التداولي؛ أي الانتشار الواسع لهذه الوثيقة على شبكة الانترنت وتناقلها بين العراقيين، فهذا يعني أن المناخ الثقافي والسياسي في العراق بات مسموماً ومؤهلاً لأفكار طائفية تشكل الحالة الراهنة في العلاقة بين الأطراف المختلفة، والدلالة الثانية أننا أمام "نص"، سواء كان هذا النص صحيحاً أم لا، فإنه متداول بين الناس، وهنا تكمن خطورة الموضوع! فلن يتوقف كثير من الناس، على أرض الواقع، أمام مدى صحة النص، وإنما ستكون له "وظيفة أيديولوجية" في ترسيخ وتكريس "خطاب الفتنة" الأهلية والطائفية والدفع باتجاهها.

أما التسجيلات المتداولة بالصورة والصوت لمراجع دينية شيعية ولقيادات من التيار الصدري، فلا اعتقد أنها دليل منقوص، بل هي ثابتة ومؤكدة، ويصعب دبلجتها والتلاعب بها. أكثر من ذلك: هل ثمة جديد في تكفير علماء ومراجع من الشيعة لـ"الوهابيين" والسلفيين واستباحة دمائهم؟! ذلك ليس بجديد، لكنه خطاب مرعب في الراهن العراقي لما فيه إباحة دماء بالجملة.

لا أستبعد، أبداً، دور أجهزة أمنية محلية (عراقية) وإقليمية ودولية في اختراع هذه النصوص وترويجها، وقد ذكرت ذلك بوضوح في المقال، لكن هذا لا ينفي أننا أمام "واقع" يمكن استثماره بسهولة لتنفيذ هذا الهدف من خلال خطابات أو وثائق مزورة ومفبركة أو مسرّبة لكنها أصبحت مشاعاً بين الناس.

في المحصلة كان هدف المقال هو التنبيه إلى أنّ "المسألة الطائفية" في العراق ليست فقط عمليات إجرامية متبادلة على الصعيدين الأمني والعسكري، ومشروع تطهير طائفي مرعب، بل هنالك أولاً خطاب فكري وسياسي يشرّع لهذا المسار الدموي ويجند ويعبئ على أساسه، وهو الخطاب، للأسف الشديد، السائد والفاعل اليوم، بل والمنسجم مع ما يجري على أرض الواقع من ويلات. وهنالك ثانياً تخطيط سياسي وعسكري ينتظر ساعة الصفر من كلا الطرفين، فما يجري من لعبة سياسية فوق الأرض لا قيمة له، وسرعان ما سيخرج هذا الخطاب "السفلي" إلى السطح ويعلن عن نفسه بوضوح، وقد بدأت بوادر ذلك في الشهور الأخيرة، من خلال عشرات البيانات والخطابات والوثائق، وهي بمثابة "رسائل" ونداءات حركية من كل طرف، تفوح منها رائحة التكفير والتخوين والاستعداد لحمامات دماء وعمليات تهجير وطرد جماعي واستباحة المحرمات الإنسانية كافة، مع توفير غطاء "ديني- مذهبي" لهذه العمليات البشعة.

بالمناسبة؛ أجد ثمة ضرورة في التمييز بين مسألتين في غاية الأهمية، ليس فقط في الراهن العراقي، بل العربي بأسره، بخاصة أننا أمام تعميم حالة الصراع الطائفي والعرقي وتجذيرها في المجتمعات العربية:

المسألة الاولى أنّ هنالك فرقا واضحا ومهما بين مستوى رصد وتحليل ظاهرة "الطائفية السياسية" وتداعياتها، وهي ظاهرة تأخذ في الصعود والانتشار وبين مستوى الترويج للطائفية أو الانحيازات والتخندق المذهبي في سياقاتها، فالمستوى الأول هو قراءة بهدف الاستكشاف والتفكير وصولاً إلى بناء إدراك منهاجي متين حول شروط نماء الظاهرة وديناميكيتها. أما الثاني فهو مستوى سلبي أيديولوجي- مغلق وليس معرفياً.

المسألة الثانية أن هنالك خلطاً غير مبرر بين إيران كدولة لها مصالحها القومية والسياسية وأدواتها الإقليمية وبين الشيعة كشريحة اجتماعية واسعة في المجتمعات العربية والمسلمة، هذا لا ينفي التداخل بين الموضوعين، لكن التسليم بوحدتهما غير صحيح. وربما حدث التداخل أو تمكّنت إيران من بسط نفوذها داخل الشيعة العرب نتيجة ذلك الخلط الواضح من ناحية، ولأخطائنا نحن العرب حكاماً ومثقفين وشعوباً في التعامل مع السؤال الشيعي من ناحية أخرى. وهنالك مراجع شيعية عربية وطنية، لها خطابها المستقل المنفتح الحضاري، لكن من أضعفها هي السياسة العربية، التي ما فتئت ترتكب الأخطاء السياسية والتاريخية.

أخطر ما في لعبة المصالح السياسية هو توظيف الصراعات والنزاعات الطائفية والمذهبية، إذ أنّ انعكاسات تلك السلبية ستطال المجتمعات وبنيتها الثقافية والسياسية، وستجذر الأمراض التي تدفع بنا إلى القرون الوسطى، عنذ ذلك لن تبقى ثرواتنا وأراضينا مستباحة بل عقولنا أيضاً!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Good Analysis (Ahmad)

    الجمعة 12 كانون الثاني / يناير 2007.
    Thank you for this reply. You are right about what you have said and what worries me that regardless of knowing the diagnosis, but we still don't see that there is a cure for it.
    May Allah protects us all Iraqis and Non-Iraqis from what is probably coming.
    All the best.