أيمن الصفدي

بوش والعراق وفلسطين

تم نشره في الخميس 11 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 صباحاً

يعلن الرئيس الأميركي جورج بوش اليوم استراتيجية جديدة للتعامل مع العراق. الاستراتيجية المرتقبة ظلت على مدى أسابيع الشغل الشاغل لساسة واشنطن. ذلك أن العراق يشكل أولوية في السياسة الخارجية الأميركية. والسبب هو أن الأوضاع في العراق باتت قضية داخلية أميركية. من هنا جاء الاهتمام. ولأجل ذلك ستركز الاستراتيجية الجديدة على إنقاذ أميركا من مستنقع العراق لا إنقاذ العراق من غياهب الفوضى والفتنة والاقتتال التي أغرقت واشنطن العراق فيها.

فالرئيس بوش لم يقرّ بفشل سياسته في العراق تفاعلاً مع مشاهد القتل التي أصبحت حدثاً يومياً عادياً على امتداد بلاد الرافدين. اعترف بوش بـ"الأخطاء" التي ارتكبتها إدارته هناك لأنه خسر الانتخابات النيابية بعد نجاح الحزب الديمقراطي المنافس في جعل الانتخابات التي جرت أواخر العام الماضي تصويتاً على المستنقع العراقي.

وبعد أن خسر السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، ركز الحزب الجمهوري الحاكم اهتمامه على الانتخابات الرئاسية. ولأن الفشل في العراق كلف الجمهوريين الكونغرس، يأمل بوش أن يؤدي تغيير سياساته في العراق إلى الحفاظ على موقع الرئاسة لحزبه. وحتى تؤتي الاستراتيجية الجديدة ثمارها المرتقبة، لا بد أن تحاكي اهتمامات الشارع الأميركي. وهذه مرتبطة بشكل مباشر بحال الجنود الأميركيين في العراق. الاستراتيجية الجديدة ستكون معنية بحماية أميركا لا بحماية العراق.

تلك خطيئة جديدة ستضيفها أميركا إلى سجلها في المنطقة. سيستمر العراق يعاني ويلات حصاد السياسة الأميركية التي دفعته إلى منحدرات الاقتتال الطائفي وشرعنت الميليشيات. وبالطبع، سيغض الرئيس الأميركي النظر عن مشاهد الموت في العراق إذا ما تراجع عدد القتلى الأميركيين نتيجة لزيادة عدد القوات الأميركية المرتقبة. وقتذاك سيتوجه جورج بوش إلى شعبه بأن أميركا انتصرت إذ قلّت خسائرها البشرية. وسيكون استمرار معاناة العراقيين تفصيلاً صغيراً لن يكون عاملاً حاسماً في الانتخابات الرئاسية القادمة!

نتيجة ذلك أن الكره لأميركا سيزداد في عالم العرب. وسيظل الأميركيون يسألون "لماذا يكرهوننا؟". ولن يجد هؤلاء الجواب. ولذلك سببان. الأول هو أن اهتمام الإعلام الأميركي بالعراق مرتبط بشكل مباشر بتأثير الأحداث على الجنود الأميركيين. والسبب الثاني أن العرب لا يفعلون شيئاً للتواصل مع الشعب الأميركي الذي يتأثر بما يقرأ ويرى ويسمع ويملك القدرة على التأثير على ساسته من خلال صناديق الاقتراع التي تفتح بشكل منتظم.

لم يتعلم العرب شيئاً من تاريخ القضية الفلسطينية. اكتفوا بلعن النفوذ الصهيوني في واشنطن ولم يحاولوا تطوير نفوذٍ لهم رغم توفر إمكانيات ذلك. وكانت النتيجة انحيازاً أميركياً كاملاً لصالح إسرائيل. فالسياسة الخارجية الأميركية لا تملك إلا أن تنسجم مع الرأي العام المؤثر في اختيار صانعيها. الرأي العام الأميركي منحاز لإسرائيل لأنه يعتقد أن إسرائيل على حق.

ولعل في استذكار مشهد الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب وهو يشكو سلطوية اللوبي الصهيوني حين "أجل" منح إسرائيل ضمانات مالية لبناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية المحتلة دليلا على حجم قوة الرأي العام والجمعيات الضاغطة التي تمثله.

لا شيء تغير. ولن يتغير شيء خلال زيارة وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس إلى المنطقة نهاية الأسبوع. القضية الفلسطينية ليست أولوية في السياسة الأميركية لأن حلها بما يحقق العدالة للفلسطينيين ليس أولوية في الشارع الأميركي. وحده موقف عربي موحد ضاغط على الإدارة الأميركية قادر على وضع السياسة الأميركية على طريق تغيير جزء من مواقفها إزاء القضية الفلسطينية.

بوش يحتاج نجاحاً في السياسة الخارجية. إقناع العرب لبوش بضرورة أن يكون هذا النجاح في فلسطين قد يؤدي إلى استعادة القضية الفلسطينية حضوراً في الأجندة الأميركية والدولية. ذلك موقف تستطيع مصر والسعودية والأردن، ودول أخرى تشاركها الرؤية حول مركزية القضية الفلسطينية وحتمية حلها مدخلاً لحل كل قضايا المنطقة، أن تتبناه وتحاجج الإدارة الأميركية به. لكن ذلك يستدعي أيضاً إعادة ترتيب البيت الفلسطيني. وهذا يستوجب تقديم القيادات الفلسطينية مصلحة شعبها على خلافاتها السياسية والمناصبية.

المصالح الأميركية تحدد سياسة واشنطن. وبوش ما يزال غير مقتنع بأن حل القضية الفلسطينية شرط للاستقرار الإقليمي الذي ثبت أنه مصلحة أميركية ودولية. وبوش غير مقتنع أيضاً بأنه لم يجلب إلى العراق سوى الدمار وأن مصلحة بلاده لا تكون بحماية جنوده فقط بل بحماية العراق والعراقيين. معنى ذلك أن أمام العرب عملا كبيرا لم يبدأ بما يشترطه النجاح من ديمومة واستمرارية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لماذا بوش في الشرق الاوسط؟؟؟؟؟؟؟؟ (محمد عزام السوالقة)

    الخميس 11 كانون الثاني / يناير 2007.
    لماذا بوش في الشرق الأوسط؟

    من الغريب أن يقوم رئيس أميركي بمبادرة حساسة جدا في منطقة الشرق الأوسط وهو تقريبا على مشارف ولايته الأولى ويطمح في نفس الوقت لولاية ثانية، فالذين سبقوه كانوا قد ركزوا على المعضلة الفلسطينية في بداية ولاياتهم باستثناء كلينتون الذي انهمك بها في نهاية ولايته الثانية.

    فهل يريد بوش حقا فرض حل على الفرقاء أم أن الزيارة لرفع العتب بعد أن وعد العرب الحلفاء بأنه سيقوم بمبادرة بعد الانتهاء من العراق؟ لماذا لم يصطحب معه الفرقاء الأساسيين الذين كانوا قد وضعوا خارطة الطريق؟ أين الأمم المتحدة من هذه الخارطة؟

    أن بوش سوف لن يخاطر في مستقبله السياسي من أجل الفلسطينيين، لذلك لا بد أن يكون هناك أمر آخر.
    أن قدومه شخصيا قد يعني حتما أنه جاد في فرض الحل على الفرقاء، فهو أظهر لهؤلاء الفرقاء أنه لا يوجد بديل عن التعامل مباشرة مع أميركا، فأميركا تستخف بأوروبا وبالأمم المتحدة، فلماذا انتظاره؟