ألمانيا وأوروبا وروسيا

تم نشره في الخميس 11 كانون الثاني / يناير 2007. 03:00 صباحاً

الوحدة الأوروبية لا تتجزأ. فحين تتعرض إحدى الدول للتهديد أو النبذ والإبعاد، فإن هذا يعني أن دول أوروبا كافة ليست حرة. إن كل جانب من ثقافتنا المشتركة يؤكد لنا هذا، بل ويكفي أن نذكر المعاناة المشتركة التي شهدتها بلدان أوروبا أثناء القرن الماضي.

وعلى هذا فإن الهدف الأساسي للاتحاد الأوروبي يكمن في تعزيز الاستقرار والأمن من خلال بنية ديناميكية تقوم على الاعتماد المتبادل في أمور السياسة والاقتصاد، وتتحقق عن طريقها كافة المصالح المشتركة لدول أوروبا. إلا أن هذه البنية مفتقدة اليوم بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، الأمر الذي من شأنه أن يلحق الأذى والضرر بكافة الدول التي تقع بينهما. ومن هنا تتجلى أهمية مبادرة ألمانيا إلى اعتبار هذه المسألة قضية مركزية أثناء رئاستها للاتحاد الأوروبي، والتي تبدأ الآن.

ومع تضخم خزانتها بسبب ارتفاع أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي، عادت روسيا من جديد إلى المجابهة العدائية مع الدول الصغيرة التي ما زالت ضعيفة نسبياً والتي أفلتت من سيطرة الإمبراطورية السوفييتية منذ خمسة عشر عاماً. ونظراً لبقايا الروابط الاقتصادية والمؤسسية منذ العصر السوفييتي، فلايزال النفوذ الخارجي الذي تتمتع به روسيا في هذه المنطقة هائلاً. إلا أن روسيا تسعى الآن إلى بسط سيطرتها على أسواق الطاقة إلى ما هو أبعد من الدول المجاورة لها.

إن العلاقات الأوروبية الروسية على قدر كبير من الأهمية، بحيث لا يجوز تنميتها بطريقة عشوائية ارتجالية من خلال الاتفاقيات الثنائية. لقد آن الأوان اليوم لكي توظف أوروبا أقصى قدر ممكن من المرونة؛ فمع تزايد الاعتماد على الإمدادات الروسية من الطاقة، يبدأ نفوذ الاتحاد الأوروبي في التضاؤل. أي أن الإستراتيجية الأوروبية لا ينبغي لها أن تسلك المسار التاريخي المعهود والذي يتلخص في بذل أقل قدر من المقاومة.

بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها كان من المؤسف في كثير من الأحوال أن يفترض بعض المحللين أن روسيا لن تعود إلى نواياها العدوانية، وكانت السياسة الخارجية تدار فيما يتصل بروسيا وكأن الاعتبارات الدبلوماسية التقليدية لم تعد صالحة للتطبيق. إلا أنها بالطبع لا تزال صالحة للتطبيق. وعلى الرغم من أهمية تشجيع الإصلاح الاقتصادي والسياسي، إلا أن هذا الهدف ليس من الممكن أن يخدم كبديل للجهود الجادة الرامية إلى احتواء النزعة الروسية الراسخة إلى التوسع.

مما لا شك فيه أن روسيا لديها مصالح أمنية مشروعة في الدول المجاورة لها مباشرة. إلا أن استقرار أوروبا والتزامها بالنمو الاقتصادي في بلدان القارة بالكامل يتطلب تحقيق هذه المصالح دون ممارسة ضغوط اقتصادية أو تدخلات أحادية الجانب.

إن أي سياسة روسية في التعامل مع أوروبا لابد وأن تدرك اعتماد أوروبا المتنامي على موارد الطاقة الروسية. وإغفال هذه الحقيقة يعني إسقاط سؤال على قدر كبير من الأهمية من الاعتبار: ألا وهو مدى جدارة روسيا كمورد للطاقة.

على الرغم من تحكم روسيا في أضخم احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم، إلا أن شركة "جازبروم" الاحتكارية المملوكة للدولة لا تنتج ما يكفي لتغطية احتياجات اقتصاد ينمو بمعدل 6% سنوياً. والحقيقة أن أضخم ثلاثة حقول غاز لدى "جازبروم"، والمسؤولة عن ثلاثة أرباع إنتاج الشركة، أصبحت الآن في انحدار. وهذا العجز المحلي يعني أن "جازبروم" عاجزة عن زيادة إمداداتها إلى أوروبا، في المدى القريب على الأقل، ما لم تتمكن من شراء الغاز بأسعار أقل من أسعار السوق من جاراتها في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، ثم بيعه إلى المستهلكين في أوروبا بأسعار السوق. وفي نفس الوقت تريد روسيا أن تغطي أسواقا أخرى، وبصورة خاصة تلك التي تقع على طول حدودها الشرقية.

المشكلة هنا ليست في نقص الاحتياطيات، بل في استراتيجية "جازبروم" الاستثمارية. ففي الأعوام الأخيرة كانت الشركة تنفق بسخاء على كل شيء باستثناء تنمية احتياطياتها. فهي تمد خطوط الأنابيب إلى تركيا وألمانيا، وتستولي على شركات النفط، فضلاً عن سعيها إلى وضع أقدامها في أسواق التوزيع الأوروبية. وبدلاً من الاستثمار في استكشاف النفط، فقد أصبحت "جازبروم" واحدة من أضخم المجموعات الإعلامية في روسيا. وكل هذا يتم باسم إنشاء ودعم بطل وطني في مجال الطاقة بحيث يخدم أيضاً كذراع للكرملين يستعين بها في تحريك السياسية الخارجية.

في نفس الوقت، ومع انحدار الاستثمار في النشاط الأساسي لشركة "جازبروم" ـ الإنتاج ـ أصبحت الأزمة تلوح في الأفق، وهي الأزمة التي تتطلب الرعاية والحرص من جانب الاتحاد الأوروبي. لقد بات من الضروري إبطاء طموحات "جازبروم" إلى اكتساب السيطرة على خطوط الأنابيب والبنية الأساسية اللازمة لنقل الطاقة، وهذا يتطلب السماح للمنتجين المستقلين بالعمل والازدهار. والحقيقة أن المنتجين المستقلين يشكلون بالفعل 20% من مبيعات الغاز المحلية داخل روسيا. ومن أجل دعم إنتاجهم والسماح لهم بالوصول إلى الأسواق الأوروبية بصورة مباشرة فإن الأمر يحتاج إلى توفير الحوافز القائمة على السوق.

تستطيع أوروبا أن تمد يد المساعدة من خلال الإصرار على مشاركة روسيا في ميثاق الطاقة الأوروبي، وهو الأمر الذي سيلزم "جازبروم" بالسماح لمنافسيها في الإنتاج بالوصول إلى خطوط الأنابيب الروسية، وتسوية كافة النزاعات في هذا المجال بواسطة التحكيم الدولي. والحقيقة أن سياسة المنافسة الأوروبية، التي نجحت في دعم المنافسة عن طريق تهذيب سلوك شركات عملاقة مثل مايكروسوفت، تستطيع أن تساعد في تحويل شركة "جازبروم" أيضاً إلى منافس طبيعي.

يتعين على زعماء أوروبا أن ينخرطوا في مناقشات صريحة بشأن مواطن الاتفاق والاختلاف بين المصالح الأوروبية والروسية، ولابد وأن تتضمن هذه المناقشات الدول المجاورة في الإقليم، والتي تنتج وتنقل الطاقة، مثل أوكرانيا. إن روسيا تفهم وتستوعب السياسة القائمة على الاحترام المتبادل لمصالح الأطراف كافة، بصورة أفضل من استجابتها للنوايا الحسنة والصداقة.

يتعين على أوروبا أن ترحب بمشاركة روسيا في المؤسسات والاتفاقيات التي تهدف إلى تعزيز التعاون، مع تمتعها بالحقوق وتحملها للمسؤوليات المتبادلة. ولابد وأن تدرك أوروبا أن التغاضي عن أفعال روسيا العدائية على الصعيدين السياسي والاقتصادي لابد وأن يؤدي إلى إعاقة الإصلاح هناك. ولا ينبغي لأوروبا أبداً أن تقايض الاستقلال الصعب الذي نالته الجمهوريات السوفييتية السابقة بالإذعان إلى رغبة روسيا في بسط هيمنتها الإقليمية.

إن قادة روسيا يستحقون أن يتفهمهم العالم بينما يناضلون في سبيل التغلب على أجيال من الحكم السوفييتي الرديء. إلا أن العالم لا يستطيع أن يتسامح مع رغبتهم في بسط نفوذهم إلى المدى الذي اشتهاه قياصرة روسيا طيلة ثلاثمائة عام. وإذا كان لروسيا أن تتحول إلى شريك جاد لأوروبا، فلابد وأن تكون على استعداد لقبول الالتزامات إلى جانب الفوائد. وإذا كان لأوروبا أن تضمن رخاءها وتؤمن إمداداتها من الطاقة، فيتعين عليها ألا تطالب بما هو أقل من ذلك.

يوليا تيموشينكو رئيسة وزراء أوكرانيا السابقة، وتتولى حالياً زعامة المعارضة.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق