د.باسم الطويسي

من الغموض إلى الوضوح الاستراتيجي

تم نشره في الخميس 11 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 صباحاً

مع إعلان الاستراتيجية الاميركية المسماة بالجديدة في العراق، بالتزامن مع توالي الفرز الإقليمي واتضاح هوية التفاعلات السياسية واتجاهاتها في ملفات إيران ودورها الإقليمي والاستقطاب الطائفي والعنف المتبادل على الساحات الفلسطينية واللبنانية وتفجر الأوضاع في القرن الافريقي. بات من الواضح إمكانية فك طلاسم الاستراتيجية الاميركية العليا في المنطقة، والتي بقيت طوال السنوات الخمس الماضية شيفرة غامضة عصية على الفهم.

هل ما أعلنت عنه الولايات المتحدة بالأمس يعد بالفعل استراتيجية جديدة أم جزءا من الاستراتيجية الاميركية العليا التي لم تتغير في خطوطها العامة منذ اتخاذ قرار غزو العراق قبل أكثر من ثلاث سنوات، فهل تحاول الولايات المتحدة بالفعل محاصرة النفوذ الإيراني في العراق الذي طغى على حضور المحتلين ولم يعد العالم يدري من يحتل من؟ أم أنّ هذه الاستراتيجية سوف تستكمل بما ستأتي به من عدة وعتاد وجيوش جديدة، بهدف انضاج الشروط المطلوبة لاستكمال الدور الإيراني؛ باعتباره الأداة الأكثر ملاءمة لتفكيك الأوطان على الطريقة الاميركية التي تدعى إعادة بناء الأمم.

الاستراتيجية الاميركية في العراق، حسب الجزء الجديد المفرج عنه، تؤكد أسطورة المأزق الأميركي هناك، وتثبت أنّ الضجة الإعلامية حول سلسلة الأخطاء الأميركية منذ الاحتلال ما هي إلا تكنيك أو أسلوب إعلامي للتضليل لا أكثر هدفه إضفاء المزيد من الغموض على المهمة الغامضة التي تفضي إلى ضرورة استمرار الاحتلال العسكري الأميركي إلى ما لا نهاية، حيث تنوعت السياقات والمسوغات التي جعلت الخطاب الإعلامي العالمي يغوص في بحيرة من الغموض وفوضى التوقعات وتناقض الاحتمالات؛ من القضاء على فلول النظام العراقي السابق والقضاء على الإرهاب إلى خلق النموذج الجديد للنظم السياسية في الشرق الأوسط، ومن بناء العراق الجديد إلى امتصاص آخر قطرة نفط في العراق والمنطقة، ويبدو أنه بعد القضاء على الزرقاوي وزيادة حدة الفرز لصالح مشروع المقاومة العراقية، وبعد رحيل الرئيس العراقي السابق جاء الدور للكشف عن جزء من حقيقة المهمة الغامضة في العراق التي تعني بشكل أو بآخر جانباً من شكل الشرق الأوسط الذي تسعى الولايات المتحدة اليه.

لن تضع الحرب أوزارها، هذه الخلاصة الأكيدة التي يفصح عنها ما يسمى (خطة إنقاذ العراق)، بل إنّ ساعة الحقيقة التي باتت تقترب تشير بوضوح إلى ثبات الأطروحة المركزية في العقيدة الاميركية الجديدة والقديمة على حد سواء، والتي تدرك تماماً انتقال مفهوم (قلب العالم) من المحيط الاورو آسيوي إلى بحار وصحارى النفط الممتدة من الخليج العربي إلى بحر قزوين بينما يقع قلب هذا القلب وسط العراق الجديد الذي يفترض إمساكه بقبضة من حديد.

جميع الأحداث والتفاعلات تقود إلى حقيقة مفادها أنّ الإدارة الأميركية عازمة وكمصلحة استراتيجية عليا على تأسيس وجود عسكري سلمي طويل المدى في العراق، ربما يستمر عشر سنوات قادمة على اقل تقدير، بما يوفر المناخ الحيوي لتمدد إمبراطوري في الشرق، وبما يكفل استمرار التفوق العالمي للولايات المتحدة خلال العقود القادمة حيث يشكل العراق في هذا التمدد مركزاً للتحكم السريع والإدارة القريبة ودرة التاج الأميركي الجديد.

ولا يكفي التدليل على ذلك باستقدام قوات أميركية جديدة، ولا بتكلف المليشيات الكردية بأمن بغداد، ولا حتى بالتوقف أمام مبنى السفارة الاميركية في بغداد التي تشيد اليوم بكلفة تصل إلى أكثر من نصف بليون دولار على ارض مساحتها اكبر بست مرات من مساحة الأمم المتحدة وبجدران تبلغ سماكتها خمسة أمتار ما يعني وهم استراتيجية الخروج والتأسيس لاحتلال مقيم لن يغادر غداً، بل ثمة أحداث وتداعيات اخرى تتجاوز فكرة الفدراليات وجمهوريات إلى كانتونات لصفائح الكاز وأخرى لقطاع الطرق وثالثة لنواطير أقاليم ولاية الفقيه.

ومن الواضح أنّ هذه الاستراتيجية قد استخدمت المدخل الإيراني خلال الفترة الماضية ووظفته بشكل مبدع، ما أعاد إنتاج الفسيفساء الطائفية والعرقية العراقية وسكبها فوق ساحة الصراع التي اكتست بلونها، وفي الوقت الذي من المحتمل أن يدخل المعول الكردي إلى حيز ساحة الصراع بعد تأجيل وانتظار، فمن المحتمل ايضاً أن يتم استثمار حصاد التمزيق الطائفي الذي يصعب العودة عنه بعد أن خلق وقائع على الأرض وفي الوجدان الجمعي للناس ربما يحتاج لعقود أو قرون حتى تدفن آثاره، ان يستثمر ذلك إقليميا ومن وحي الحقائق السائدة في العراق اليوم.

الانتقال من الغموض الذي أحاط بالاستراتيجية الاميركية انطلاقاً من العراق نحو المزيد من الوضوح في المرحلة الأخيرة، يدل على ان ضمان هدف الوجود العسكري الآمن وطويل الأمد للولايات المتحدة يقتضي وجود قوتين إقليميتين في حالة تنافس واستقطاب هما اليوم القوة الإقليمية الإيرانية التي يجب ان تغذى وتسمن أميركيا حتى تصل إلى مستوى منافسة القوة الإقليمية الإسرائيلية دون ان تصل إلى مستواها، مقابل استحكام حلقة الفراغ الاستراتيجي العربي والتي يفترض أن تبقى تسف رمال الصحراء، التي لا يمكن لها في يوم ما ان تتراكم، الأمر الذي يجعل استمرار الهيمنة الاميركية مطلبا محلياً مسوغاً.

عكس ما روج وسوق له في الشهور القليلة الماضية؛ فإن الوضوح الاستراتيجي الجديد في المنطقة يقود نحو حقيقة واحدة تشير نحو بداية عصر أميركي جديد في الشرق الأوسط وبذراعين إسرائيلية وأخرى إيرانية، والقراءة الموضوعية تبدأ هذه المرة من الجغرافيا السياسية التقليدية قبل غيرها.

[email protected]

التعليق