منار الرشواني

في ذكرى الباستيل الأميركي!

تم نشره في الخميس 11 كانون الثاني / يناير 2007. 03:00 صباحاً

"أنا الآن أكتب مذكراتي عن السجن... لكنني لا أكتب كل شيء، لأن الناس لن تصدق ما عشنا وشاهدنا هناك... هذا مع أنني كنت "محظوظاً!" مقارنة بغيري؛ إذ لم يكن مسموحاً أن أموت تحت التعذيب"! (...).

"قالوا: إذا لم تعترف بانتمائك إلى "القاعدة" فسيتم اغتصابك... من قبل كلاب (بالمعنى الحقيقي للكلمة، وهي ألمانية من نوع شيبرد) مدربة خصيصاً لهذا الغرض"! (...).

هاتان الشهادتان -واللتان لا تعدوان أن تكونا سوى مثالين فقط ضمن أمثلة كثيرة باتت مستحيلة على الإحصاء- ليستا لمعتقلين سابقين في أقفاص غوانتنامو التي ينتحب كثيرون في العالم اليوم، فيما يحتفل بعض ساديين، بالذكرى الخامسة لافتتاحها؛ بل هما لمعتقلين في سجون بلدين عربيين! لكن شهادتيهما ترتبطان بأكثر مما يمكن توقعه بما حدث ومايزال يحدث في غوانتنامو.

من ناحية أولى، قد يبدو من الضروري استغلال ذكرى "باستيل" إدارة بوش والمحافظين الجدد، ذائع الصيت عالمياً، للتذكير بـ"باستيلات" عربية منسية أو مجهولة، مع أنها إن لم تواز غوانتنامو بشاعةً ووحشيةً فإنها تفوقه، حداً قد يجعل من هذا الأخير "ملجأ رحيماً"! بل وإذا كان غوانتنامو محدداً جغرافياً (إذا ما استثينا السجون السرية الأميركية في أوروبا الشرقية)، معروفا عدد ضحاياه وأسماءهم، فإن "الباستيلات" العربية غير معروفة العدد وغير معروف عدد ضحاياها، الأحياء منهم والأموات؛ ويكفي دليلاً هنا أن نطق اسم بعضها جريمة في حد ذاته! أما من ناحية ثانية وهي الأهم، فتتمثل في أن العلاقة بين باستيل بوش والباستيلات العربية ليست علاقة "الشيء بالشيء يذكر" فحسب، بل هي علاقة تكامل وتعايش قد لا تستمر حياة أي من الطرفين من دونها!

فصاحب الشهادة الثانية كان يخضع للتعذيب في "وطنه الأم" في إطار الحرب الأميركية على الإرهاب؛ وكان تعذيبه "وطنياً" و"عربياً" بمثابة مرحلة النطق بالحكم الذي يقضي بنقله إلى غوانتنامو، إذ لا تتوفر ذات التسهيلات المتاحة في ذلك البلد العربي ليكون غوانتنامو المبتدأ والمنتهى. وفيما كانت المخابرات المركزية الأميركية ترسل الضحية تلو الضحية للتعذيب هناك، كان البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية يصدران الدعوة تلو الدعوة أيضا دعما للديمقراطية والانتخابات الحرة في البلد ذاته!

لكن هل ثمة جديد؟ أبداً، ويمكن كالعادة لوم أميركا، فهي الآن المستفيد النهائي من التعذيب الوطني، وهي منذ عقود الداعم الأول، وأحد أهم أسباب استمرار النظام المعني!

لكن الفجيعة الحقيقية يمكن استشعارها فعلاً من الشهادة الأولى، وتحديدا لأن صاحبها سجين رأي أُفني شبابه في الزنازين وأقبية التعذيب خلال فترة طويلة سابقة على الحرب الأميركية على الإرهاب، وربما أُفرج عنه حتى قبل 11 سبتمبر 2001!

فمعاناة ذلك الشاب (حين أدخل السجن طبعاً)، والآلاف من أمثاله، كانت الدافع الرئيس لفك الولايات المتحدة العزلة عن النظام الذي تدّعي أنه منبوذ من قبلها، طبعاً ليس لضمان عدم تكرار هكذا معاناة مستقبلاً، وإنما فقط للاستفادة من قدرات ذاك النظام الخلاقة على صعيد التعذيب في فترة ما بعد 11 سبتمبر!

مرة أخرى قد لا يبدو ثمة جديد، لا بالنسبة إلى تاريخ أميركا ولا بالنسبة إلى تاريخ النظام "القومي" و"المعادي للإمبريالية"! لكن الحقيقة أنه في هذه الحالة ثمة جلاد منسي، مع أنه صاحب الفضل الأول في منح الشرعية لأميركا والنظام المتحالف معها فقط تعذيبا وتنكيلاً، وبالتالي لكل إجراءات التعذيب الوطنية!

إذ فيما كان هذا النظام يتولى التعذيب بالوكالة لمصلحة أميركا، كان القوميون والإسلاميون ذاتهم المتباكون على الديمقراطية وحقوق الإنسان في بلدانهم، ولعلهم اليوم أكثر ذارفي الدموع على معتقلي غوانتنامو، كان هؤلاء يعلنون العصمة للنظام الوطني القومي، ويقولون في الوقت ذاته لأميركا والعالم أجمع –شاءوا أم أبوا- أننا أمة لا تستحق الحكم إلا بالحديد والنار، ولا تستحق العيش إلا في أقبية التعذيب تحت الأرض!

في ذروة فضائح التعذيب في سجن أبو غريب في العراق وسجن غونتنامو في كوبا، وجهت إلي باحثة أميركية سؤالاً حول الغضب العربي والإسلامي إزاء ما تكشف من أساليب تعذيب هناك يمارس ما هو أبشع منها في سجون دول العربية، "فهل أنتم متسامحون مع التعذيب الذي يمارس في بعض البلدان العربية؟!" لكن يبدو واضحاً أن الباحثة تعاني ضحالة في المعلومة والفهم، إن لم نقل إنها مدسوسة ومتصهينة؛ فنحن لا نتسامح مع التعذيب "الوطني"... نحن نشجعه، باعتباره الأسلوب الوحيد لمقاومة الصهاينة وتحرير الأرض المغتصبة!

بعد كل ذلك، لماذا قد تخجل أميركا من غوانتنامو وتغلقه؟! ربما يكون السبب سمعتها، أو الضغط الدولي، أما إنسانية الإنسان العربي فقد ذبحت في مكان آخر بعيد، وقبل عقود طويلة، باسم الاستقلال والقومية والإسلاموية!

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سميح القاسم (pearl)

    الخميس 11 كانون الثاني / يناير 2007.
    حاولت منع دموعي التي تسابقت على خدي معلنة للملأ حزني و بؤسي من واقع ارفضه بشدة و لا اجد بدا من مشاهدة مجرياته يوم وراء يوم و ساعة بعد ساعة . اعتقد ان الموضوع المتعلق بالتعذيب و القتل يمتد بجذورها الى ما هو اعمق و اهم من الديمقراطية و الحرية ليصل الى الأنسانية والى السؤال الأزلي الذي عاودني منذ بدأت الحرب في العراق عن الخير و الشر في النفس الانسانية . اتفهم ما يقوم به اليهود فهم اعداءنا منذ الأزل و هم مغتصبون لحقوق الأمم ولكن ما يحدث في العراق و في السجون العربية و مؤخرا بين فتح وحماس قضايا تتجاوز قدراتي على التحمل . الحزن الذي يولده قتل الشيعي للسني و منتسب فتح لمنتسب حماس و حامي الوطن للمواطن حزن كبير و حمل ثقيل . كثيرا ما اغلق التلفاز هروبا من الواقع المرير الذي نعيش ..الى متى تستمر هذه المهزلة و بأي وجه نواجه ابنائنا عندما يسألونا عما يحدث واي مستقبل مظلم ينتظرنا اذا استمر هذا الحال ..
  • »مضحك مبكي (مرعي)

    الخميس 11 كانون الثاني / يناير 2007.
    من المضحك ان تمدح امريكا وهي تقتل العرب يوميا بل من المضحك ان نمدح انسانية امريكا وعدد قتلى مجازر امريكا وحلفائها قد يصل المليونين من العرب الأبرياء وأكثر. من المضحك المبكي ان تعترف امريكا في وجود مراكز تعذيب سرية في دول حلفائها في اوروبا الشرقية لايعرف احد مدى بشاعة العذيب والتنكيل اللتي يتعرض لها العرب ومن ثم نمدح انسانية امريكا. من المبكي ان نعرف ان فوق النصف مليون عراقي قتلو بالموت البطيئ تجويعا وبالأمراض الفتاكة في حصار فرضته وحمته امريكا ومن ثم نمتدح امريكا الإنسانية. وكأن القتل الجماعي والإبادة الجماعية مقبولة طالما القاتل يتكلم الإنجليزية ويقول بعد القتل Thank you sir
  • »الاحتلال يخلق ابشع الامور........ (محمد عزام السوالقة)

    الخميس 11 كانون الثاني / يناير 2007.
    انى أرى أن حال العراقيين تغير تماما بدخول قوات التحالف إلى أرضها. إن ما يحدث الآن طبيعي جدا بل أقل من الطبيعي. فأمريكا تعاملهم كبشر ولأول مرة يشعرون بالحرية ولذلك نرى هذه المقاومة والأسلحة. ثم تعالوا نتحدث عن السجون في البلاد العربية. يحدث فيها أشياء مريعة من شتائم وحقوق ضائعة ومعاملة البهائم تجاه أشخاص عادة ما يكونوا أبرياء في معظم الأحوال. على الأقل يوجد بين السجناء العراقيين أتباع صدام واللذين يرفضون السلام والإرهابيين.
    التصرفات الوحشية لا تخرج إلا من جندي لم يتربى علي الديمقراطية في بلده أمريكا التي تدعي الديمقراطية وتعتقل أبرياء دون الحصول علي أدنى الحقوق وهو التحقيق معهم.
    محمد عزام السوالقة
    جامعة الحسين بن طلال
  • »العراق بلد المليون ونصف شهيد ولاشكرا لأمريكا (محمود)

    الخميس 11 كانون الثاني / يناير 2007.
    امريكا اليوم حصلت على لقب "قاتل العرب" بجدارة وأظفرت العراق الحزينة بلقب "بلد المليون ونصف شهيد" بعد ان كانت تترأس فرنسا هذا الدور سابقا وكانت الجزائر "بلد المليون شهيد"
  • »من الحب ما يشوش الوجدان (عدي)

    الخميس 11 كانون الثاني / يناير 2007.
    الرجاء عدم تجزأة القضايا لتتناسب مع اهدافك. الأمريكان قتلوا ما بين مليون ونصف لمليونين عراقي منذ الحظر القاتل وأغلب الضحايا من الأطفال العرب وبين قتل الإحتلال و الحرب الأهلية التي امريكا المحتلة مسؤولة عنها مباشرة قانونيا وأخلاقيا.

    لا اذكر اية نظام عربي قمعي في تاريخ الدكتاتورية العربية استطاع ان يتسبب عن بعيد او عن قريب بالفظاعات الدموية المسؤولة عنها امريكا في العالم العربي عددا ونوعا.

    ارجو ان لاياخذك حبك لأمريكا بعيدا عن واقعها الدموي.