د.باسم الطويسي

الخوف من الحرية

تم نشره في الأحد 7 كانون الثاني / يناير 2007. 03:00 صباحاً

 

حينما يصبح القيد اغلى من الحرية، والوهم أصدق من الحقيقة يتيه المجتمع المضطهد في حدائق خرافية ساحرة يبدو فيها السوط والقيد والأقفال والمشنقة عدة من عتاد الحياة. يقول صاحب طبائع الاستبداد، عبد الرحمن الكواكبي، في مطلع القرن الماضي: " قد يبلغ فعل الاستبداد بالأمّة أن يحول ميلها الطبيعي من طلب الترقي إلى طلب التسفل، بحيث لو دفعت الى الرفعة لأبت، وتألمت كما يتألم الاجهر من النور واذا الزمت بالحرية لتشقى وربما تفنى". فالتوقف عند هذا النص - مع مطلع العام السابع من القرن الجديد- يجعلنا نراه وكأنه كتب لوصف هذه الأيام، بعد ان تنوعت الاحتلالات وتكاثر المحتلون، وازدحمت الشوارع بالاقتتال والحروب الاهلية. وما زال هذا الجزء من العالم يرضخ لكل صنوف الاستبداد ويخشى الحرية ويهرب منها.

المضطهد قد يصل إلى حالة مرضية هي الخوف من الحرية التي تصل إلى حد التماهي في المستبد لإعادة إنتاجه من جديد، مشهد هذه الكآبة المزمنة يتكرر فيما نشهده اليوم ويذكرنا بعادة الاستبضاع، ذلك السلوك المرضي الذي مارسته بعض الجماعات العربية في فترات تاريخية متفاوتة وحرمه الاسلام، والذي يقضي بأن يأتي الرجال بنسائهم الى شيخ القبيلة او فرسانها لكي يواقعهن من اجل أن ينجبن شيوخا او ابطالا يشبهون اولئك الابطال، والتفسير النفسي الاجتماعي يرفض المسوغ التقليدي لتلك الظاهرة المرضية. فمن المعروف تماما أنّ عنترة لم يولد شيخاً أو فارساً، في حين أنّ عروة بن الورد وُلد أميرا وتحول إلى مؤسسة من الصعلكة. إنّما اصل تلك الظاهرة الاجتماعية يدور حول تسويغ ذل الاستكانة للسلطة والمحتل بأبشع صوره وتبريره، بصيغ يقبلها الشرف الجريح. المضطهد يستبضع في هذه اللحظة التاريخية من التاريخ كل أنواع السلطة وأشكالها وكل أجناس المحتلين، يمارس تحريك دمى الاتهام احيانا ومسوغات الأمر الواقع والرضى البائس احيانا اخرى.

كأن هذا المصير يحملنا دوما إلى المعاد والمكرر، إلى صيانة خشبة المشهد ووضوح الرؤية: أسياد وعبيد على مرأى الالف الثالثة، إماء وجواري جدد، باعة تفاريق وسماسرة ووكلاء ومهمشون وزهاد متصوفة ويأس من التاريخ. في المقابل: السوط والنار، المشنقة والمقصلة، الخازوق والتحريق بالجمر، العصر والشنق، حبس الدم وازهاق العقل، السجن والمنفى، ضرب الاعناق وبتر الاطراف، وفي التفاعل الجماعي: الغزو والاقتتال، الهجرات والترحال، الفتن والاغتيالات، النهب والتدمير، التهميش والدونية، ومن قبل التهم الجاهزة، التكفير، الإعدام المعنوي، المراباة بالناس، ومن بعد العزلة والخلوة عن التاريخ.

حالة ترث حالة أخرى في التفاصيل والأحوال والأخبار الأولى والمتأخرة في صيانة القفل وفي حراسة البوابة العتيدة. السوط والنار والخوف من الحرية، احجية تاريخ المضطهد الاجتماعي في العزلة الكئيبة والتحالفات وعلاقات الدم المريبة بين السياسي والمتدين من جهة والوكلاء وسماسرة الخارج من جهة اخرى، في مجتمعات ما زالت تنتظر كلاما لم يقل بعد عن احداث في ذمة التاريخ، وما زالت تشتاق إلى قول أشياء جديدة حول نصوص عتيقة. هنا يأخذ خط التاريخ لونا باهتا كلما ازداد اضطراب التقدم في الزمن وتأخذ عرائش وخرائب وحالات احتضار ونزف في النمو المتسارع نحو جهة غامضة وغايات مجهولة ودروب لم تعبّد.

بالفعل، الحياة تتبدل ولكنها لم تتغير، وفعل الخيبات وحالة اليأس من التاريخ هما حصاد الموت اليوم في دوام ظواهر الاحتلالات والاقتتال والاضطهاد والنظام الخفي لانتاج التخلف، لا يمكن أن ننكر الحيوية الكبيرة التي أبداها العرب خلال القرن العشرين منذ أخذوا علما بتخلفهم عن ركب الحضارة وفي مقاومتهم لكل أشكال العدوان والهيمنة الخارجية. ولكن نظام الخيبة الخفي وإعادة تدوير التخلف بمركباته النفسية الاجتماعية بقي هو معول الهدم لكل نوايا التصالح مع التاريخ. ومرجعية هذا وذاك تبدو في اعادة انتاج الاضطهاد وكأن نهاية المقصلة، يأتي دوما بحقول من المشانق، في هذه المقام لابد أن أذكِّر بالنص التالي الذي اورده عبدالله العروي في مقدمة كتابة "الايديولوجية العربية": " كنت قد مللت التشدق بخاصيات العرب وسئمت الكلام عن الاشتراكية العربية والفلسفة العربية والانسان العربي، كما لو كنا نبدع كل يوم فكرة جديدة او نظاما جديدا مع أنّ الأمر لا يتعدى ضم كلمة عربي او عرب إلى كل ما هو مرفوض ومبتذل عند جميع سكان الدنيا".

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ام الإهانات (ربيع)

    الأحد 7 كانون الثاني / يناير 2007.
    لنكن واقعيين. صلاح الدين الكردي والمماليك والأتراك اللذين حرروا وحموا القدس لم يكونوا عربا. والعرب هم اللذين اضاعوا القدس من بعد الأتراك. واليوم، الفرس هم من يحمل راية القدس ويدفعون ثمنا سياسيا باهظا على صعيد المواجهة مع الأمريكان الصهاينة ومن ثم وتشويه الإعلام الرسمي العربي التابع لسمعتهم كما فعل مع كل رمز عربي طاهر وقف في وجه الأمريكان الصهاينة من جمال عبدالناصر ومرورا بصدام والسيد حسن نصرالله. العرب منذ قرون وهم بدون حيلة. وكلما تحرر شعب عربي من هيمنة الأجنبي جاءت نخبة مدعومة من الأجنبي لإحباط المسيرة العربية الوحدوية. واليوم تتقاسم العشرون نخبة مسؤلية افشال المشروع العربي التنموي وكله في سبيل اثراء الذريات الحاكمة وشراء الولاء والذمم. وتلك هي أم الإهانات.