غزة والبحر

تم نشره في الجمعة 5 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 صباحاً

في زمن الانتفاضتين الاولى والثانية ضد الاحتلال الصهيوني، كانت مقولة قادة الكيان الصهيوني الشهيرة، وتحديدا رابين وبيريز، والتي عبرت عن حجم مأزق هذا الكيان: "اتمنى ان اصحو واجد البحر قد ابتلع غزة". وكانت امنية صادقة، لأن غزة تحولت، بفضل جهاد اهلها وصدق شبابها واطفالها وصبر نسائها، الى جهنم التي لا يحتمل الاحتلال ارضها، ولا حتى محيطها.

سنوات طويلة من الانتفاضة صنعت اسماء وتاريخا بمراحل جديدة من مراحل النضال الفلسطيني، وبرز ابطال وشهداء وقادة من كل الفصائل؛ فعرف الناس يحيى عياش، ومحمد ضيف، وصلاح شحادة، والشهداء احمد ياسين وعبدالعزيز الرنتيسي والكثيرين ممن صدقوا في جهادهم، فكانت غزة نموذجا للرجولة والصمود.

ولأن البحر لن يبتلع غزة، واحلام رابين لم تتحقق، فإن الهزيمة هي التي ابتلعت جيش الاحتلال، فكان الانسحاب الصهيوني من طرف واحد! انسحابا اشبه بالهروب، تماما مثلما كان حال جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، عندما انهى الاحتلال لأنه لم يحتمل المقاومة ولم يستطع مواجهتها.

وحتى من نراهم اليوم من اهل السياسة والقيادة والالقاب، هم جزء من افرازات المقاومة والصمود. والقوائم التي تقدم نفسها للانتخابات في كل المواقع إنما تستثمر صبرها وجهادها ورجولة شهدائها وجرحاها. لذلك، فالبنية السياسية في غزة هي ثمار الصمود والمقاومة. وحتى طبقات العملاء والمأجورين الذين اصطادهم الموساد والشاباك الصهيونيين، إنما اكتسبوا قيمتهم لأنهم يعملون في غزة، ارض المقاومة والاستشهاديين. وما يتقاضاه احدهم وهو يشارك في اغتيال مجاهد مبلغ كبير، قد لا يجد له مثيلا في بقعة اخرى، لأن غزة كانت ساحة جهاد ورجال وعمل مقاوم بعث الرعب في نفس كل صهيوني.

لكن غزة اليوم افسدتها السياسة. وربما لو عاد الزمن برابين القتيل وعاش هذه المرحلة التي نعيشها الان، لتراجع عن حلمه، ولما تمنى ان يبتلع البحر غزة؛ لأنها الان مدينة مكتظة بالوزراء والنواب واعضاء المكاتب السياسية وقادة الاجنحة العسكرية، كما المواكب وقوافل حرس الشخصيات، لكن الأهم أنها منشغلة بنفسها؛ فكل يشحذ سلاحه خوفا من الشقيق!

فصائل وميليشيات لم تعد تشكل قلقا للمحتل، بل ان السلاح الذي تكتظ به غزة مصدر راحة للاسرائيليين، لأنه اصبح اداة للتنازع واشعال الفتن والاستعراضات، وهو ليس لبث الرعب في العدو، بل لارسال الرسائل إلى فصيل اخر.

غزة التي كانت بيت النحل الذي يؤلم العدو، وترسل عائلاتها وفصائلها الاستشهاديين، اصبحت خبرا عاجلا على الفضائيات بسبب اغتيال ضابط او جندي في امن رسمي، او مقتل اطفال برصاص ملثمين فلسطينيين، او محاولة اغتيال لرئيس الوزراء ووزرائه، او مصادمات في الشوارع! وهناك رايات وبنادق، ليس ثأرا للاسرى، بل في اقتتال فصائلي!

غزة التي كانت عنوانا للمقاومة العربية، والتي تحول اطفالها الذين قتلهم الاحتلال الى رموز لاطفال الامة، هذه الغزة اصبحت ساحة لا يفرح بما يجري فيها الا اسرائيل والعملاء. واطفالها اصبحوا هدفا لملثمين فلسطينيين، بغض النظر عن انتمائهم الفصائلي! ضاعت صور الشهداء، والقادة الرموز الذين استشهدوا دفاعا عن فلسطين، وبدلا من هؤلاء ظهرت صور المستشفيات الفلسطينية وهي تستقبل ضحايا الفتنة والتنازع على سلطة وهمية، وكذبة اطلقتها اسرائيل وصدقها مع التضخيم سياسيو الفصائل!

يا لفرحة رابين ورفيقه شمعون بيريز، وفرحة كل جندي صهيوني ذاق الذل من جهاد ابناء غزة، وأي خزي لكل من حول هذا المعقل المقاوم الى شوارع لحرب الميليشيات والتنازع على الوهم!

لكن غزة التي انجبت الكبار قادرة على لفظ الصغائر، والعودة الى صورتها الجميلة ودورها المشرف؛ فالارض الخصبة لا تعدم النبت الطيب.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »دوافع مشبوهة... (حليم حيران)

    الاثنين 8 كانون الثاني / يناير 2007.
    ياريت يا استاذ سميح نسمع رأيك الجرئ بكل اللي بذلوا ودوافعهم وجهودهم من الأنظمة والدول اللي كمان صدقو اكذوبة اسرائيل ليفصلو غزة عن البحر وسمك ونسيم البحر وكيف كان دورهم العظيم بإجهاض (جنين) النزاهة في التعاطي والوصول للسلطة اللي ظهر بغزة والسلطة في يوم الإيام للحد اللي وصلوا فيه يدخلو اسلحة مشبوهة للمأجورين والعملاء وبالتعاون مع اسرائيل لتكون عملية الإجهاض للجنين وللرحم معا وماكان يسمحوا يدخلو دولار واحد عشان الطفل الفلسطيني الغزي اكيد دوافعهم مشبوهة ومش بريئة.. ولا شو رأيك؟؟؟