جميل النمري

لغز المحاكم الإسلامية

تم نشره في الخميس 4 كانون الثاني / يناير 2007. 03:00 صباحاً

خلال أشهر، استولى اتحاد المحاكم الشرعية على كل المدن الصومالية، وخلال أيام خسرها كلها!

وكما فوجىء الجميع  بسرعة استيلاء المحاكم على مدن الصومال واحدة تلو الأخرى، فوجئوا أكثر بسرعة انهيار قوات المحاكم التي كانت تولّي الأدبار من المدن، حتّى قبل وصول القوّات الأثيوبية والحكومية إليها.

عندما قررت أثيوبيا الدخول بقوّاتها لمنع استيلاء قوات المحاكم الشرعية على "بيدوا"، عاصمة الحكومة المؤقتة وآخر معاقلها، توقعنا أن تنجح القوات الأثيوبية بمساعدة الطيران تحديدا في صدّ قوات المحاكم، لكنّ بين ذلك ودخول مقديشو، حيث يمكن أن تدور حرب شوارع قاسية، ثمّة فارقا لم نلبث أن اكتشفنا أنه – ولدهشتنا – لم يكن يتجاوز مسافة الطريق التي يتوجب قطعها للوصول الى العاصمة. فقد أخلت قوات المحاكم مقديشو حتى قبل وصول القوات الحكومية والأثيوبية، وكذا الحال بالنسبة لبقيّة المدن، بما في ذلك المعقل الأخير، ميناء ومدينة كيسمايو، التي قال الناطقون باسم المحاكم انها انسحبت للتجمع فيها وخوض مواجهة حاسمة... لم تحدث أبدا!

ليس مقنعا القول إن الانسحابات كانت تكتيكا عسكريا؛ فقد قيل ذلك عند الانسحاب الى مقديشو ثم الى كيسمايو، وقد ظلّت قوات المحاكم تهرب من كل مدينة قبل وصول اعدائها، حتى اختفت نهائيا الان! وهذا لغز يحتاج الى تفسير. ونحن نتذكر كيف لقنّت الميليشيا الصغيرة لأحد أمراء الحرب (محمد فارح عيديد) القوات الأميركية درسا قاسيا في حرب الشوارع في مقديشو، قررت الولايات المتحدة على إثرها مغادرة البلاد.

علاقة أثيوبيا بخصومها في المحاكم ليست جديدة في الواقع؛ فبعض قادة المحاكم كانوا في مطلع التسعينات من قادة حركة التمرد الانفصالية في اقليم أوغادين الأثيوبي، وقبل سقوط نظام سياد برّي الذي كانت لديه طموحاته تجاه الإقليم الذي تتشكل أغلبية سكّانه من امتدادات قبائل صومالية. وعلاقة بعض قادة المحاكم مع القاعدة ليست جديدة ايضا، بل تعود الى زمن تواجد بن لادن في السودان، لكن المجموعات الإسلامية من تلاوين مختلفة لم تشكّل ظاهرة ملفته في التركيبة القبليّة والسلطة على الأرض، والتي ظلّ يتقاسمها ويتصارع على فتاتها أمراء الحرب وقادة العصابات والميليشيات المسلحة، رغم تشكيل برلمان وحكومة انتقالية.

وبحسب بعض الروايات، تشكلت أول محكمة شرعية شمال مقديشو العام 1996 ردا على حادثة خطف طفل لابتزاز أهله، ولتأخذ على عاتقها حلّ قضايا الناس، ووضع حدّ لعمليات الخطف والابتزاز والسرقة والاعتداء، وكان ذراعها التنفيذي مسلحون اسلاميون. وأغرى نجاح التجربة بتكرارها في اماكن اخرى. لكن المحاكم لم تتوقف عند هذا الحدّ؛ اذ أصبحت الثوب الخارجي لسلطة الجماعات الاسلامية، التي حظيت بدعم خارجي متنوع من السودان الى السعودية الى اليمن الى ارتيريا، الخصم المباشر لأثيوبيا، الى أن أُعلن اتحاد المحاكم الاسلامية الذي شكّل بديلا سريعا لسلطة الميليشيات الصغيرة المتنازعة للزعماء المحليين.

كان يمكن للمحاكم أن تكون العمود الفقري للسلطة الشرعية الحكومية، بعد أن نشرت الأمن والنظام، لو ابدت مرونة في المفاوضات على اساس تثبيت النظام البرلماني الشرعي، ولم تضع نصب عينيها الاستيلاء على السلطة كليا، واقامة نظام طالباني قدّم سلفا أسلوبه بمنع التلفزيون ومشاهدة مباريات كرة القدم، وجلد المتلبسين بحضور السينما!

الانهيار السريع لميليشيات المحاكم لم يُظهر فقط ضعف الالتفاف الجماهيري حولها، بل وضعف ارتباط قاعدتها المسلحة؛ فقد انضمت كثير من الميليشيات المحلية إليها من دون صلة ايديولوجية، وانفضّت عنها بالسرعة نفسها امام اوّل امتحان مواجهة! لكن الكثير من عناصر الرواية ما يزال بحاجة الى إجلاء.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق