التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي

تم نشره في الخميس 4 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 صباحاً

ثمة ما يدعونا للجزم بأن حكومة أولمرت الحالية لا تمتلك أجندة أبعد من البقاء السياسي. بيد أن ذلك لا يعني غياب تفكير إسرائيلي استراتيجي يعبر عن التيار المركزي في إسرائيل، فهناك اتفاق حول الهدف الأساسي وهو الحفاظ على  يهودية الدولة واتفاق حول مصدر التهديد وهو العامل الديمغرافي.

ثمة ثلاثة اتجاهات فيما يتعلق بالعلاقة مع الفلسطينيين. اتجاه يرى أنّ هناك شريكاً فلسطينياً يمكن التعامل معه، وهنا الحديث عن محمود عباس. وبالتالي هناك حاجة ضرورية لتقوية عباس والدخول في مفاوضات حقيقية معه. وهناك اتجاه يرى أن عباس ضعيف، ولا يمكن لاسرائيل اجراء مفاوضات معه حول قضايا الحل الدائم دون معالجة الموضوع الأمني على أساس "التبادلية" (مفهوم جاء به نتنياهو عام 1996). ونتيناهو والليكود يعبران عن هذا الاتجاه. والاتجاه الثالث يرى عدم جاهزية الطرف الفلسطيني للمفاوضات، وانه لا بد من الانفصال وبالتالي الانسحاب الاحادي. وعبر عن ذلك شارون وحزب كاديما. وبالرغم من طي ملف الأحادية في إسرائيل، إلاّ أنّ أساس الانسحابات القادمة هي خطوط خطة الانطواء الموضوعة على الرف حاليا.

المعضلة الأساسية هي أن عامل الزمن لم يعد يلعب لصالح يهودية الدولة لوجود سيرورة ديمغرافية تضعف اسرائيل مع الوقت. اقامة دولة فلسطينية يحقق الانفصال عن الفلسطينيين، ويمكن القول انه بات مطلباً اسرائيليا، ولا يعبر عن موقف اخلاقي اسرائيلي يعترف للفلسطينيين بحق تقرير المصير. فمن وجهة نظر التيار المركزي، فإن الدولة الفلسطينية ستضمن يهودية الدولة، وستكون المكان الذي يمكن للاجئين الفلسطينيين العودة اليه.

لا يوجد اتفاق اسرائيلي حول حدود الدولة الفلسطينية والقدس والمستوطنات. ولكن هناك فهم اسرائيلي بضرورة اجراء تبادل في الارضي لتمكين اسرائيل من ضم الكتل الاستيطانية الكبرى. في هذا السياق يدور الحديث عن تبادل اراض مأهولة في السكان. ويكثر الحديث، حتى في اوساط حزب العمل، عن ام الفحم والمثلث مع سكانها كموضوع تبادل مع الدولة الفلسطينية في المستقبل. كما أنّ هناك من يتحدث عن تبادل اراض في اطار تسوية شاملة لاعطاء الفلسطينيين جزءا من سيناء مقابل جزء من النقب وذلك للتوسع الفلسطيني المستقبلي.

فيما يتعلق بالأمن الوجودي والردع فان اسرائيل تدرك أن قوة الردع الاسرائيلي هي في تراجع. ويزيد من الوضع سوءا ظهور ايران بأطماع تطوير قوة نووية لتتمكن من كسر احتكار السلاح النووي وتعزيز مبدأ توازن الرعب على مستوى الشرق الاوسط. وهذا هو المصدر الاساسي للخطر الجديد الذي على اسرائيل أن تتعامل او تتعايش معه في العقد القادم. لذلك نفهم الهوس الاسرائيلي والتحريض لمنع ايران من امتلاك قوة نووية بأي وسيلة. فهناك اعتقاد في اسرائيل بأن ايران النووية المحكومة من قبل قادة مثل احمدي نجاد تشكل خطرا وجوديا على اسرائيل وانه لا يمكن التسامح مع اي بوادر لهولوكوست آخر. من وجهة النظر الاسرائيلية فإن ايران ستمتلك القدرة على ايذاء اسرائيل بشكل قد يهدد مستقبل دولة اسرائيل بأسرها. طبعا محاولة اسرائيل المبالغة في الخطر الايراني هي لحث العالم على منع إيران من امتلاك القوة النووية، ولا يمكن لايران ان تقوم باستخدام اسلحة نووية لعلم القادة في إيران أنّ اسرائيل تمتلك ما يسمى بامكانية الضربة الثانية. 

إذن؛ التفكير الاسرائيلي يقوم على الحفاظ على يهودية الدولة وتعزيز قوة الردع من خلال منع خصومها من الحصول على تكنولوجيا نووية. وهذا يتطلب اقامة دولة فلسطينية واللجوء الى تبني سياسات (من بينها الضربة الوقائية والاستباقية) للمحافظة على احتكار السلاح النووي في الشرق الاوسط. ولتحقيق ذلك تبقى العلاقة مع الولايات المتحدة حجر الأساس في التفكير الاستراتيجي في اسرائيل رغم وجود خلافات بين الجانبين من حين لآخر. وعليه فإنّ عدم وجود أجندة لحكومة أولمرت لا يعني عدم وجود فكر استراتيجي اسرائيلي واضح سيشكل حدود ما يمكن ان يقوم به أولمرت وغيره إن لزم الامر.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق