محمد أبو رمان

نبوءات غير سارّة

تم نشره في الأحد 31 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

يختلف تقويم المحللين والمثقفين العرب لحصاد العام 2006 بين من يرى فيه إرهاصات انهيار المشروع الأميركي وصعود معسكر "الممانعة" بقيادة إيران، ومن يرى فيه انهيار النظام السياسي العربي وخضوع العرب لصراع دولي وإقليمي، دون أن يمتلكوا – أي العرب- أية مبادرة في حماية مصالحهم وأمنهم القومي المستباح.

ومهما اختلف التقويم وتعددت القراءات فإنّ السمة الرئيسة للعام المنصرم أنه عام "الأزمات" بامتياز، بينما يجعل العام 2007 الصورة أكثر وضوحاً فيما ستؤول إليه أوضاع المنطقة وأحوالها، وإن كانت المؤشرات الأولية لا تبشّر بنهاية سنوات العرب "العجاف" أو على الأقل وقف التدهور العام، وربما تكون الفضيلة الوحيدة للشهور القادمة أنّها ستجيب عن اسئلة 2006 المعلّقة!

في المشهد العام سيحمل هذا العام تسخيناً كبيراً في الملف الإقليمي والملفات المحلية المرتبطة به هنا وهناك. ستكون أزمة البرنامج النووي الإيراني المحك في تعريف ملامح المرحلة القادمة. ستحدّد الاستراتيجية الأميركية الجديدة في المنطقة، التي سيعلن عنها بوش قريباً، سياسة أميركا في إدارة الأزمة مع إيران، ومن المتوقع أنّ بوش لن يأخذ بتوصيات لجنة بيكر- هاملتون في التفاهم مع إيران وسورية، وسيسعى إلى عزل إيران، دولياً وإقليمياً، بتشديد العقوبات الدولية المختلفة. لكن وإن نجحت الولايات المتحدة في انتزاع موافقة روسية- صينية على قرار مجلس الأمن في فرض عقوبات على إيران إلاّ أنّ هذه الطريق الطويلة والمتعبة من المفاوضات الدولية، لن يحبذها سياسيون أميركيون، بخاصة أنّ الوقت يمضي في صالح إيران.

السيناريو الأسوأ يبدأ من تشديد العقوبات، وقد يصل إلى حلول أحادية أميركية- إسرائيلية ربما تنتهي إلى ضربة استباقية للمجمّع العسكري والصناعي الإيراني، ما يؤدي، كما يرى روبرت فيسك، إلى إحباط قدرة إيران ورغبتها في الرد، بعد تدمير جزء كبير من إمكانياتها العسكرية.

ومع أنّ الفريق المحيط بالرئيس بوش - في البيت الأبيض- ما يزال يدفع باتجاه ضرب إيران، معتبراً أنّ ذلك سيُسهّل مهمة الولايات المتحدة في العراق، لشعور إيران وحلفائها بالكلفة الكبيرة للاستهانة بقوة أميركا وقدرتها على تنفيذ سياساتها، إلاّ أن الخيار "العسكري" يواجه عقبات كبيرة، أبرزها عدم ضمان تأييد الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس، ووجود وزير الدفاع الجديد روبرت غيتس، المعارض لأفكار المحافظين الجدد وتصوراتهم الاستراتيجية، وأخيراً فإنّ قدرة أية ضربة عسكرية أوّلية في القضاء على البرنامج النووي الإيراني وعلى قدرة إيران في الرد غير مؤكدة ومشكوك فيها، ما يعني أنّ ضربة كهذه قد تفتح جبهة إقليمية جديدة أخطر، وتؤدي إلى مزيد من التأزم، وربما الى امتداد النفوذ الإيراني في المنطقة.

على الجهة المقابلة، تنفسّت النظم العربية الصعداء في العام المنصرم، بعد وصول الدعوة الأميركية للإصلاح إلى نهايتها، فعادت الولايات المتحدة إلى السياسة الواقعية، ما أتى على حالة صعود حركات المعارضة العربية في عام 2005، وتلاشي الطموح بربيع ديمقراطي عربي على الأمد القريب. لكن مع تجذر قصة المحورين في تفاصيل الأزمات المحلية الثلاث الرئيسة (العراق، لبنان، فلسطين) فإنّ النظام العربي الرسمي يبدو المتضرر الأكبر والطرف الأضعف. صحيح أنّ الدول العربية حاولت تشكيل ما يسمى بمعسكر "الاعتدال العربي" في مواجهة المحور الإيراني، إلاّ أنّ هذا المعسكر لم يستطع حفظ مسافة جيدة ومقنعة عن السياسة الإسرائيلية والأميركية، تكفل بناء فرص لقدرة هذه النظم على المناورة والتفاوض، فمعسكر "الاعتدال" العربي ينزلق ليكون طرفاً مباشراً في الصراع مع إيران، ما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية بدرجة رئيسة.

في العراق، سيكون دعم "العرب السنة" ذريعة لمواجهة عسكرية وأمنية وسياسية عربية مع إيران في حال تدهورت الأوضاع الأمنية ووصلت العملية السياسية إلى طريق مغلق، وهو الأرجح، وسيتجه العراق نحو التدويل والصراع بالوكالة والتقسيم الطائفي. وسيحكم الاستقطاب الإقليمي الملفين اللبناني والفلسطيني، إذ تجري عمليات التسخين والإحماء على قدم وساق، فيما تنهال المساعدات والتعزيز والدعم من كل من إيران وأميركا لحلفائهما، ويبدو أنّ الحل الأمني والعسكري سيسود في ظل حالة الإغلاق السياسي الكامل، بعد إعلان عمرو موسى نهاية الوساطة العربية في الملف اللبناني، وتتجه كل من فتح وحماس إلى خلاياها المسلّحة لتأكيد قوتها ونفوذها الواقعي في كل من الضفة الغربية وغزة.

سؤال "الاستقرار السياسي" سيتصدّر الأحداث والتطورات في هذا العام، وسيعزز التوتر الأمني والأزمات الداخلية الفشل الواضح الذريع للنظام العربي في إدارة التنمية والاقتصاد، وتفشّي الفقر والبطالة والشعور بالحرمان والفجوة الطبقية، بالإضافة لتنامي الشعور بالإهانة والغضب والخطر ونزعة العداء للسياسة الأميركية، وكلها عوامل تدعم خطاب الحركات الإسلامية المعتدلة والمتطرفة، على السواء، وتزيد من شعبيتها وتزيد – أكثر- من المأزق السياسي للنظام العربي، وتجعل من سياساته غير قابلة للتسويق ليس فقط لدى الرأي العام العربي، بل حتى لدى شريحة واسعة من النخب المثقفة والسياسية.

أبرز ما كشف عنه العام المنصرم ضعف الدولة القطرية العربية وهشاشتها، في مقابل قوة وتجذر الانتماء الأولي بصيغته العشائرية والطائفية والمذهبية، وبدلاً من مضي الشعوب العربية إلى الأمام نحو التنمية والاستقرار وتحسين شروط الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فإنّ التدهور الحالي يصيب مناحي الحياة كافة، وفي حين يغيب مشروع الجماعة الوطنية في الحالة السياسية العربية، نجد أن خطوط التماس والصراع تشتعل بين ثلاثة مشروعات "فوق قومية"؛ المشروع الأميركي- الإسرائيلي، المشروع الإيراني، والأممية الإسلامية (القاعدة).

m.aburumman@alghad.jo

التعليق