منار الرشواني

النهاية المخزية: إنما لمن؟!

تم نشره في الأحد 31 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

قيل إن الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، كان في اللحظات التي سبقت إعدامه "ضعيفاً جداً بشكل لا يُصوّر"، وأنه كان خائفاً، ينظر إلى منصة الإعدام "كما لو أنه يريد أن يتجنبها". لكن شريط الفيديو الملتقط عن طريق هاتف محمول، أظهر الرجل هادئاً رابط الجأش، ينطق الشهادة بصوت قوي، إن لم نقل مجلجلاً!

وخوف صدام من عدمه ليسا مجرد معطى نفسي مهم في استكمال عملية الانتقام أو حتى القصاص العادل من الرجل جزاء الفظائع التي يتهم بارتكابها، بل هما بحق مؤشر حاسم على واقع عراقي وعربي على السواء، كما على مستقبل قادم. ولتوضيح ذلك، فليس هنالك أفضل من الرسالة الأخيرة التي وجهها صدام إلى الشعب العراقي، ولا سيما قوله: "لقد عرف كثر منكم صاحب هذا الخطاب في الصدق والنزاهة ونظافة اليد والحرص على الشعب والحكمة والرؤية والعدالة والحزم في معالجة الأمور، والحرص على أموال الناس وأموال الدولة، وأن يعيش كل شيء في ضميره وعقله وأن يتوجّع قلبه ولا يهدأ له بال حتى يرفع من شأن الفقراء ويلبّي حاجة المعوزين وأن يتسع قلبه لكل شعبه وأمته وأن يكون مؤمناً أميناً.. من غير أن يفرّق بين أبناء شعبه إلاّ بصدق الجهد المبذول والكفاءة والوطنيّة.. وها أقول اليوم باسمكم ومن أجل عيونكم وعيون أمّتنا وعيون المنصفين أهل الحق حيث رفعت رايته".

بعبارة أخرى، وسواء ارتعد في مواجهة الموت أم بقي صلباً متماسكاً إلى اللحظة الأخيرة، يظل الثابت الوحيد هو أن صدام حسين مات من دون أدنى أسف أو ندم على كل ما فعله بحق الشعب العراقي قبل غيره، بل هو لا يظن أنه ارتكب خطأ أصلاً ليعتذر عنه، إذ بقي مصرّا على أنه حاكم العراق الحكيم العادل!

وهذا الإيمان الذي ظل حاضراً وواضحاً طوال فترة محاكمة الرجل وحتى إعدامه، وتفسير بواعثه، يعني الكثير والكثير جداً، للعراقيين كما للعرب كافة. 

فصدام المتهم بقتل مئات الآلاف من العراقيين، سنة وشيعة، وعرباً وأكراداً، خصوماً ورفاقاً سابقين، كان يشاهد بدلاءه الذين جعلوا العراق أعراقاً! وربما اعتقد –عن حق- أنه قريباً جداً سيغدو عدد ضحايا هؤلاء أكبر بكثير من عدد من يُتهم هو بقتلهم طوال ثلاثين عاماً. كذلك، فإنه إذا كان العراق في عهد صدام حسين دولة يحكمها ديكتاتور، فهو اليوم غابة يخوض فيها الكل حرباً ضد الكل، الكلمة العليا فيها للمليشيات والعصابات، في مشهد ربما لم يعرف له التاريخ مثيلاً حتى في مجاهل أكثر الدول بدائية وليس في بلد بتاريخ العراق وأهله!

ولذلك، فقد كان صدام، وللأسف الشديد، بليغاً إلى أبعد الحدود عندما كانت واحدة من آخر عباراته -كما يذكر علي المسعدي الذي تولى تصوير عملية الإعدام، في مقابلة مع مجلة نيوزويك الأميركية: "العراق بدوني لا شيء"! وأول مؤيديه في ذلك لم يكونوا سوى جلاديه وليس غيرهم، حينما كانوا يهتفون في لحظة تنفيذ الإعدام باسم مقتدى الصدر بدلاً من اسم العراق –ولو ادعاءً- رغم علمهم بتصوير العملية!

صبيحة يوم إعدام صدام حسين، كان أحد عناوين تعليقات صحيفة واشنطن بوست الأميركية على الإعدام "عهد سلطة صدام ينتهي بالخزي المطلق" (Hussein's Arc of Power Ends In Utter Ignominy)؛ لكن عندما يكون بديل الديكتاتورية هو الفوضى واضمحلال وطن وتلاشيه، فتُرى لمن يكون الخزي، هل هو فعلا للديكتاتور المعدوم أم لكل المثقفين والمفكرين والسياسيين العرب الذي فشلوا في منع إعدام وطن بحجم العراق مع ملايين من أبنائه، وقد يأتي الدور على أوطان عربية أخرى؟

هذا هو السؤال الذي لا بد من الإجابة عنه؛ فالفظائع التي ارتكبها الاحتلال الأميركي مباشرة، أو سهل ارتكابها بوعي أو بغباء، لا يجب أن تكون سبباً للتكفير عما ارتكبه صدام حسين، بل هو يعتبر مسؤولاً رئيساً، بديكتاتوريته، عن الوضع الذي انتهى إليه – ونأمل أن لا نقول "انتهى به"- العراق، خاضعاً للاحتلالين الأميركي والإيراني، اللذين يباركان ويرعيان حمام دم طائفي ولا أبشع، في التقاء مصالح لا يبدو غريباً إلا بالنسبة إلى جاهل بتاريخ مديد وغير منقطع من التعاون الوثيق بين هذين العدوين "الحميمين"!

مرة أخرى لا بد من العود إلى طرح التساؤل الحقيقي: هل خيار الإنسان العربي، والمسلم أيضا، هو بين الديكتاتورية أو الفوضى والحروب الأهلية؟ ولما كانت الإجابة هي بالتأكيد لا، طالما كان العربي والمسلم إنساناً يستحق استشعار إنسانيته، وهو كذلك فعلا، وإذا كان العراق هو نموذج للتغيير القادم من الخارج، فأين هو التغيير النابع من الداخل؟

كانت نهاية صدام مخزية فعلاً، لكن ليس بالنسبة له؛ على الأقل كما أظهرت هيئته وكتاباته حتى لحظات ما قبل الإعدام، إنما الخزي الفعلي والحقيقي هو لأمة عجزت عن تقديم بديل لديكتاتورية جلبت الاحتلال في حالة العراق -وقد تجلبه إلى غيره- وجعلت شعار "أنا الوطن والوطن أنا" حقيقة بشعة مؤلمة! أمة مازال مثقفوها و"مناضلوها ضد الإمبريالية" يحجون إلى كل ديكتاتور، نكاية -ليس إلا- بأميركا وإسرائيل، ويعلون من "إسلامية" جلاد العراق الأكبر، والحليف الأهم لأميركا وإسرائيل، إيران!

ليس الحاكم، صدام أو غيره، هو القضية، إنما هي الوطن. والغريب أن بعض قتلة هذا الوطن ليسوا إلا بواكيه ذاتهم!

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق