يوم الوقفة

تم نشره في السبت 30 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

 

امس كان يوم الوقفة، وبمصطلحات الحجاج والكبار "يوم عرفة". لكن اهل العيد، من الاولاد والبنات، يرونه من اطول الايام، وليلته طويلة لا تخلو من الأرق؛ فانتظار الصباح هو الهدف.

وهذا الامر لا يختلف بين الأولاد والبنات، سواء كانوا أغنياء أم فقراء. فمن كان فقيرا فعينه على "البوت" والملابس الجديدة، التي قد يكون حصل عليها بعد مفاوضات شاقة مع ابيه، وهي مفاوضات اصعب من مفاوضات الدول مع صندوق النقد الدولي، وأصعب بكثير من مفاوضات الحكومات مع النواب لنيل الثقة!

الاطفال عيونهم على الصباح للبس الملابس الجديدة بسرعة، وأحيانا تبقى "الكرتونة" التي تحمل السعر واسم المصنع على البنطلون او البلوزة. ويسعى الطفل إلى شراء "الفرد" (المسدس) او اللعبة، وفي ذهنه حسابات غير معقدة عما يمكن ان يحصل عليه من عيديات، إذ لديه تقويم بحكم التجربة عمن يعطيه وكم يعطيه. لكن هذه الحسابات تنهار مع بدء عملية التداول في الدكان، وقد يكتشف مع الظهر انه انفق كل ما لديه، ليبدأ بالبحث عن تمويل جديد!

ويوم الوقفة عند الحجاج هو يوم عرفة، ركن الحج الأساسي. وهو اليوم الذي يعطي الله فيه لعباده المغفرة والرضوان، كما تبدأ فيه مناسك الحج ونهايته الجائزة. وعند يوم عرفة تكفر ذنوب سنة سابقة وسنة قادمة.

مفاهيم عديدة ليوم الوقفة بين الصغار والكبار والحجاج. وهو ايضا يوم رزق للتجار الذين ينتظرون هذا الموسم. لكن مجمل الصورة يقول انها ايام رزق وفرج للعابدين والاطفال والتجار، ومواسم نشاط اجتماعي اقتصادي وإيماني؛ مواسم لا تحتاج الى اعلانات او تسويق او تنظيم، مثلما ينظم بعض الأشخاص اسابيع تسوق، او معارض صناعية وتجارية او سياحية.

واذا لم تعد "الوقفة" مدهشة لمن كبرت اعمارهم، وفقدوا الحماس لملابس العيد والمراجيح والعيديات، الا ان اجيال جديدة تدخل هذه المرحلة. لكن للكبار "وقفة"؛ فهم منشغلون بصناعة الفرح لأطفالهم، وهو انشغال لا يختلف بين من يملك ومن لا يملك، لأن عاطفة الابوة والامومة فطرية. ولا يقلل من هذا صراخ شكلي من اب او ام على ولد او بنت يطلب ما لا يستطيع الاب دفع ثمنه لضيق ذات اليد.

ممتع في يوم الوقفة ان تتجول في الاسواق، تشاهد الناس تشتري حتى ما لا علاقة له بالعيد. فالأم التي تتحمل "تكشيرة" الاب تستغل مشوار السوق لتشتري للأولاد "فانيلات"، او للبيت ابريق شاي جديدا، او "فرشات اسفنج". وتشاهد اطفالا تجذب انتباههم ملابس او ألعاب، لكن يد الام او الاب تجرهم بعيدا بما يشبه "الشحط"! واذا تكاثرت طلبات الاولاد، اضطر الاب إلى الصراخ عليهم يطالبهم بالواقعية، وبصرخة متداولة "خلص وله".

وغالبا ما تكون الخطوة الاولى بعد ان تصل الاسرة الى البيت "هوشة" بين الاب والام، تبدأ باحتجاج الزوجة على عدم ممارسة الزوج لـ"الاتيكيت" في السوق؛ فهو يمشي بسرعة وهي تلحق به وتجر الاولاد. وسرعة الاب تأتي بأوامر من العقل الباطن، بأن السرعة قد تجعله يجتنب شراء اشياء جديدة، أما المشي البطيء فقد يفتح شهية الزوجة او الاولاد لطلب ما لا يريد، وما لا يستطيع شراءه!

لكن داخل الزوجة سبب آخر، وهو ان الزوج لا يذكرها بشراء شيء لها، ولا يخطر على باله ان يعرض عليها شراء حذاء او شنطة او ملابس، وهو يمارس التذمر من لحظة الخروج من البيت كإجراء وقائي حتى لا يتجرأ احد على مزيد من الطلبات. إلا أن الزوجة تتمنى في داخلها ان يتذكرها زوجها، لكنه لا يفعل، لأنه ايضا يتمنى ان يكون بوسعه ووسع راتبه ان يشتري لنفسه شيئا جديدا. فالرجل ايضا يلبس ملابس "تسخين"، مثل الطعام "البايت"، فيختار ما يقوم بغسله وكيّه، "ويضرب" الحذاء وجهين "كيوي" ليضمن لمعانه، فلمعان الحذاء قد يغطي على غياب الملابس الجديدة.

عيد الاضحى له معنى آخر، فهو يسمى "عيد اللحم"، وهو موسم خير وعطاء وعبادة. فالاضحية، حتى وان اكلتها العائلة، تعزز رابطة اجتماعية، فكيف بآلاف الأضاحي التي توزع على الفقراء او على الاقارب، وبخاصة من اللحم البلدي الذي لا يتم تداوله كثيرا بسبب سعره؟!

الاضحية عبادة، وهي موسم عون للفقراء. فالعيد يصنع الفرح للحاج والصائم والطفل والاب حتى وان لم يستطيع ان يقدم لأطفاله كل ما يريدون، ولأسرة يأتيها "كيس لحم" من جار او قريب من اضحية. وهو موسم رزق للتجار، وحتى بائعي "شعر البنات". عيدا سعيدا، وتقبل الله طاعة الجميع.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عيدكم مبارك (Mu-UK)

    السبت 30 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    عيدكم مبارك اخونا الأعزاء وان شاء الله يتعاد علينا وعلى وطنا بضرائب أقل؛ ومسؤولين أكثر مسؤوليه ومصداقيه في نقل ووصف حال الشعب..كلنا لازم نحتفل بالعيد رغم ذلك على الأقل تعظيما لشعائر الله الذي نحن بحاجة لبركتة في أقواتنا التي بدأت تنضب ليس من بخل وطننا ولكن من جشع كثير من مسؤؤلينا...
    أعاده الله علينا وعلى الوطن وعلى جلالة الملك بالخير واليمن